أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

عين ترامب على الولاية الثانية

لم يخطئ من تنبأ بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سوف يدير بنفسه معركة الانتخابات النصفية لمجلسي النواب والشيوخ، ويبذل فيها أقصى الجهد لاعتقاده أن نتائجها سوف تمهد للانتخابات الرئاسية المقبلة. يعرف ترامب ومعه العديد من السياسيين الأمريكيين أن هذه الانتخابات بالتحديد سوف تفرز مرشحين محتملين من الحزب الديمقراطي لمنصب الرئاسة، أكثرهم يحمل أفكاراً جديدة ويعبر عن مرحلة مختلفة، المرحلة فعلاً مختلفة، لم يحدث خلال القرن الأخير إلا مرة واحدة إن وجدت أمريكا نفسها تقف مترددة بين أن تتقدم وتقود أو تبتعد عن مشكلات أوروبا والعالم فتنعزل. في تلك المرة الوحيدة التي ترددت فيها كانت إمكاناتها تسمح لها بأن تتقدم لتقود، أما هذه المرة فالإمكانات النسبية ليست كافية ولا مشجعة، بل صار النقص فيها دافعاً للانقسامات والاستقطاب الداخلي.
ترامب يعرف والكل يعرف أن أجواء الانتخابات النصفية، يمكن أن تحمل هدية، بل هدايا للحزب الجمهوري. يستحق الحزب جانباً من الفضل في كثير من إيجابياتها، ولكن يجب أن يعترف أن معظم الفضل يعود إلى الرئيس ترامب، وكثير منه يعود لغباء الزعماء الديموقراطيين وسوء تصرفهم وتفرقهم وابتعادهم عن الجماهير. أستطيع في السطور التالية رسم تصور مبسط جداً للأجواء التي جرت وتجري في ظلها حملات الانتخابات النصفية، وهي بالفعل صورة لحالة فريدة، صورة لم تكتمل على هذا الشكل من قبل.
أولاً: تتقدم في السباق قوى اليمين، ممثلة لجميع أطيافه ومذاهبه وتجاربه. تتقدم أيضاً، ولكن من بعيد، قوى اليسار في صفوف مضطربة مزودة بأفكار احتجاجية وإصلاحية وعاجزة فيما يبدو عن فهم طبائع العصر الرقمي وأساليب التعامل السياسي في غياب متعمد لمنظومات قيم وأخلاق تنظم احترام الحقوق الإنسانية. أكاد أجزم بأنها فقدت القدرة على توليد أفكار وسياسات جاذبة للطبقات المطحونة بقسوة أشد من أي وقت سابق. هكذا الحال نفسه في أمريكا الجنوبية وشبه القارة الهندية والاتحاد الروسي.
في أمريكا على سبيل المثال استطاع اليمين الذي يقوده الرئيس ترامب أن يحشد الصفوف ليعيد للرجل الأبيض مكانته في مجتمع مهاجرين، ولا تثريب في رأيي على تيار سياسي صار يعلن على الملأ أن في أمريكا الآن حزباً قومياً وزعيمه الأول الرئيس «القومي» دونالد ترامب. القوميون، أي سلالة المهاجرين من أوروبا، لهم الآن حزب يدافع عن حقهم في العودة بأمريكا إلى صيغة هيمنة الجنس الأبيض على ما عداه، هم الآن يدعون إلى عودة البيض ليستلموا مزارعهم وممتلكاتهم في إفريقيا.
ثانياً: تشاء الظروف والأجواء السخية في كرمها وعطاياها مع الرئيس ترامب أن تخرج من قلب أمريكا الوسطى قافلة مهاجرين في ثياب لاجئين بدأت بآلاف قليلة وانتهت بآلاف كثيرة، من الصدف المثيرة أن تتحرك القافلة في الأسبوعين السابقين على موعد الانتخابات النصفية، وهناك نصيب لا بأس به من شعبية الرئيس ترامب بين الجمهوريين يعود إلى موقفه المعادي لمبادئ الهجرة المفتوحة.
ولن ننسى ونحن نحسب أرصدة ترامب للانتخابات الرئاسية المقبلة أن قاعدته الانتخابية تدعم بكل قوتها سياساته تجاه الهجرة، ولا شك أن منظر الجنود الأمريكيين وهم يتوجهون نحو حدود تكساس ولويزيانا مع المكسيك يثير بقوة الشعور القومي المتصاعد في أمريكا منذ شهور الحملة الانتخابية الرئاسية في 2016. يكفي هنا القول إن حكومة ترامب ردت أكثر من أربعمئة ألف طالب هجرة وصلوا حتى الحدود خلال العام الماضي وحده.
ثالثاً: الاقتصاد الأمريكي نما في عهد ترامب، ليس هنا مجال الخوض في تفاصيل هذه العبارة التي يرددها إعلام البيت الأبيض والحكومة الأمريكية ويعترف بصحتها، وإن على مضض، الإعلام الكاره للرئيس ترامب والحزب الجمهوري وهيمنة رجال المال والمصارف على الحياة الاقتصادية. ما يهمنا الآن هو ضرورة الاعتراف من جانبنا بأن ترامب القادم من خارج المؤسسة الحاكمة استطاع أن يهبط بالبطالة إلى نسبة متدنية للغاية، الأمر الذي أضاف إلى مكانة ترامب في صفوف عمال الصناعة، خاصة الحديد والصلب التي عادت تشتغل، ولو رمزياً، بعد أن أوقف العمل باتفاقية «النافتا» مع المكسيك وكندا ورفع نسبة التعريفة الجمركية على واردات الصلب من دول أوروبا الحليفة ومن الصين. مرة أخرى قاعدة ترامب تتعزز وتتأكد هذه القوة المضافة في الحملة الانتخابية لصالح المرشحين الجمهوريين للمقاعد الشاغرة في مجلسي النواب والشيوخ.
رابعاً: واضح تماماً أن ترامب عرف كيف يداعب وتراً حساساً، بل لعله أهم الأوتار في النظام السياسي الأمريكي. جاء ترامب مرشحاً ثم رئيساً محمولاً على موجة عدم ثقة في الطبقة السياسية الأمريكية. لا ثقة جماهيرية في قيادات الحزبين ولا رضا عن حال البلاد ومكانتها الدولية. من ناحية ثانية جاء مقتنعاً بأنه لا نهضة لأمريكا بدون دعم لا متناهٍ لمؤسستي المال والأعمال والأمن القومي والدفاع. وبالفعل اقترح ونفذ أهم إجراء ضريبي يحدث على مدى عشرات السنين، وفي الوقت نفسه قلب موازنة الدفاع رأساً على عقب، وها هو الآن وبكل جسارة، وتهور ممكن، يعلن نيته إلغاء سلسلة من معاهدات خفض تسلح وقعتها أمريكا مع روسيا حين كان الهدف تشجيع خروجها من مواقع القيادة والحرب الباردة وتوجيهها نحو زوايا النسيان والفوضى.
نظام الرئيس ترامب على محك الاختبار الحقيقي. هذه الحملة الانتخابية لمعركة النصف هي فرصتنا للتعرف على مصادر قوته وضعفه وقدرته على الاستفادة القصوى من واحدة وتفادي الأخرى.


للقراءة من المصدر....

الكاتب: جميل مطر

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-11-01



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US