أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

ترامب بدون رد من خروتشوف

كان ينقص المشهد رئيس مثل نيكيتا خروتشوف ليضرب الطاولة بحذائه في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدد وينتقد دولاً ويبدي ضعفاً تجاه بعض الدول مثل كوريا الشمالية، ويلمح للتفاوض مع إيران ويتحدى الصين وأوروبا ويفاخر بموقفه المنحاز للاحتلال في الموضوع الفلسطيني بنقل سفارته إلى القدس، ويمتدح ديمقراطية «إسرائيل» ويتجاهل قانون القومية الذي يعتبر تجسيداً للفكر الفاشي العنصري، ربما لأنه يتساوق مع الفكر «الترامبي» الذي لا يقيم وزناً للقانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة.
لم يجد ترامب رئيساً نداً مثل خروتشوف فضرب بلسانه الآخرين وعرض كشفاً عن إنجازاته وكأنه يوجه خطابه للناخب الأمريكي قبل الانتخابات النصفية للكونجرس، مستخدماً غطرسة القوة من جهة ومنطق التاجر الابتزازي في مواجهة دول أوبك وغيرها، وقافزاً على القانون الدولي دون وخز من ضمير فيما يتعلق بمجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجزائية الدولية؛ لأنهما يريدان إحقاق العدالة الدولية التي خرقها ترامب مراراً وتكراراً.
لكن الغريب أن ترامب تحدث عن تحالف إقليمي عربي دون أن يتحدث عنه أي طرف عربي، وكأنه صانع هذا التحالف لتشويه أي تعاون عربي، مع أن التنسيق المصري الخليجي الأردني سابق لمرحلة ترامب في البيت الأبيض، والانتعاش الاقتصادي الأمريكي سابق لترامب بفضل ما ضخته إدارة الرئيس السابق أوباما، من مليارات في الأزمة المالية المصرفية العقارية.
خطاب ترامب كان هجومياً لأسباب انتخابية على بُعد شهر ونصف الشهر من الانتخابات النصفية التي قد تمنح الأغلبية للحزب الديمقراطي في الكونجرس وتحشره في الزاوية وتقيد خطواته وهو يراهن على الأرقام والإنجازات الاقتصادية التي ينسبها لنفسه لتحقيق فوز حزبه، ويداعب الناخب بحجب المساعدات الخارجية الأمريكية لصالحه، وابتزاز دول أخرى مالياً.
ولهذا لم يحاول الاصطدام بروسيا، ولم يسهب في الموضوع الفلسطيني؛ بل أكد مواقفه السابقة المؤيدة للاحتلال ولم يُشر إلى حق الفلسطينيين؛ بل ربما كان يقصدهم عندما أكد حجبه للمساعدات الخارجية إلا للأصدقاء، وهو حجب طال السلطة الفلسطينية ووكالة غوث اللاجئين لخصومتهما مع «إسرائيل»، وفُهم من كلامه أنه يتطلع إلى اللوبي اليهودي في دعمه انتخابياً، من هنا كان كمن ينطق بلسان نتنياهو. ولعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي تحدث بعد ترامب رد عليه.
خطاب ترامب كان خالياً من أي مضمون إنساني ولا يقوله سوى رئيس يريد تسويق نفسه واستعراض عضلاته الاقتصادية والعسكرية داخلياً وخارجياً، ولم يترك أثراً في أروقة الأمم المتحدة؛ لأنه خالٍ من الدسم وينضح السم.
في موازاة هذا التقزيم للقضية الفلسطينية في خطاب ترامب وتجاهله للكارثة الفلسطينية وهجومه على مؤسسات القانون الدولي، كمجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجزائية الدولية، لموقفهما العادل من القضية الفلسطينية، وجد ترامب دعماً غير متوقع من حركة «حماس» التي أعلنت أنها ستسحب ما وصفته بالثقة من الرئيس الفلسطيني عن طريق نوابها في المجلس التشريعي بغزة، وكأنها تقدم أوراق الاعتماد لواشنطن كبديل جاهز لمنظمة التحرير، وهو موقف انتهازي يقترب من الخيانة خاصة أن مضمون خطاب أبو مازن سيكون هجومياً على الاحتلال وصفقة القرن، التي تحاول «حماس» التساوق معها، في سعيها لتهدئة منفردة مع الاحتلال رغم المساعي المصرية الحميدة لإيجاد مصالحة حقيقية في موازاة التهدئة، وليس تهدئة مع الاحتلال دون مصالحة مع الذات.
وإضافة إلى ذلك، شنت أجهزة حماس حملة مبرمجة طالت أغلب نشطاء «فتح» إعلامياً وميدانياً، بتهمة التحضير لوقفات تضامنية مع الخطاب الفلسطيني في الأمم المتحدة، وهو إجراء غير مسبوق.
الصحافة العبرية شمتت بالرئيس الفلسطيني ووصفته بالبائس أثناء خطاب ترامب وحديثه عن القدس، لكن هذا الفرح «الإسرائيلي» لا يلغي ثبات الموقف الفلسطيني بشأن القدس. ويقال إن ترامب هو من يحاول التقرب من الجانب الفلسطيني، وإنه أبلغ بعض القادة العرب أنه يجري تعديلات على صفقة القرن لجلب الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، لكن طالما تمسك بموقفه بشأن القدس فمن المستبعد أن يجد رداً فلسطينياً إيجابياً، ويكفي الفلسطينيين فخراً أنهم هم فقط من يقول لا للسياسة «الترامبية»، دون خوف وتحت ضغوط كبيرة داخلية وخارجية. فالرئيس ترامب قد يتقمص شخصية رامبو، لكنه لا يرعب أحداً في يده حقوق تاريخية لا تخضع للمساومة.

hafezbargo@hotmail.com


للقراءة من المصدر....

الكاتب: حافظ البرغوثي

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-09-28



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US