أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

معارك الإنترنت بين روسيا والغرب

تشهد الساحة الدولية في المرحلة الراهنة عودة غير مسبوقة لحروب الجواسيس بين القوى العالمية، وبخاصة بين الولايات المتحدة وروسيا؛ حيث تستعر المواجهة من جديد من أجل الهيمنة وبسط النفوذ، اعتماداً على وسائل تقنية متطورة تتخذ في معظم الأحيان الشبكة العنكبوتية فضاء لها في سياق عمليات الجوسسة والجوسسة المضادة التي يقودها قراصنة وعملاء يسعون إلى تحقيق مكاسب معلوماتية قابلة للتوظيف سياسياً وعسكرياً. وقد أخذت معارك الإنترنت منحى تصاعدياً مع بداية الألفية الجديدة نتيجة سعي الدول إلى التحكم في مصادر المعلومات، لاسيما أن العواصم الكبرى باتت تنظر إلى مسألة إعادة تأهيل مصالح الاستعلامات الخاصة بها، على أنها تشكل أداة استباقية تسمح لها بالتصدي للأنشطة العدائية للخصوم.
ويذهب معظم المراقبين إلى أن بريطانيا ومعها كل الدول الغربية استثمرت بشكل لافت حادثة تسميم العميل الروسي المزدوج سكريبال يوم 4 مارس/آذار الماضي، من أجل تدشين فصل جديد من المواجهة مع روسيا التي أصبح الغرب يرى أن قدراتها على مستوى حرب المعلوماتية، فاقت خلال السنوات الأخيرة قدراتها العسكرية والتكنولوجية الحقيقية. ويعتقد جيروم بوارو وزميله أوغ موتوح، أن هذه المواجهة المعلوماتية بدأت سنة 1982 في عهد الرئيس رونالد ريغان، عندما عملت الاستخبارات الأمريكية على تخريب خط أنابيب الطاقة السوفييتي في سيبيريا. وقامت روسيا من جهتها بأبرز عملية هجوم معلوماتي ضد مراكز بحوث وإدارات أمريكية، إضافة إلى شبكة المعلومات التابعة للبنتاغون سنة 1998، في سياق عملية حملت اسم «متاهة ضوء القمر»، التي لم تتفطن الأجهزة الأمريكية لها إلا بعد سنتين من انطلاقها.
وبدأت المواجهة المعلوماتية بين الدول الكبرى تأخذ خلال السنوات القليلة الماضية أبعاداً أكثر حدة وخطورة، لاسيما مع تدشين ما أصبح يعرف بالثورة الصناعية الرابعة التي توصف بأنها امتداد للثورة الثالثة التي اعتمدت على الجانب الإلكتروني وعلى تكنولوجيا المعلومات، والتي يطلق عليها الخبراء تسمية الثورة الرقمية، التي وإن كانت أقل بروزاً قياساً بسابقاتها، إلا أنها أكثر عنفاً نتيجة لسرعة الابتكارات التي تقدمها، وبالنظر أيضاً إلى الآفاق الجديدة والحاسمة التي توفرها الأجهزة المتصلة رقمياً. لاسيما من حيث قوتها وقدرتها الهائلة وغير المسبوقة على التخزين، والمعتمدة بشكل متواصل على الذكاء الاصطناعي والأتمتة والحوسبة الكمية والطباعة الثلاثية الأبعاد، وهي تقنيات بالغة التطور تؤثر كلها بشكل كبير في حياة ملايين البشر، وبدأت تتحكم أيضاً في عواطفهم وفي سلوكياتهم وردود أفعالهم، وتقدم من ثمة مزايا وقدرات في منتهى الخطورة والأهمية بالنسبة لأجهزة استخبارات الدول التي تتحكم في التكنولوجيا ومصادر المعلومات، وقد تضاعف نتيجة لذلك عدد قراصنة الإنترنت التابعين لهذه الأجهزة مقارنة بعدد العملاء التقليديين الذين بدأ عددهم يتناقص تدريجياً.
لقد تحولت الشبكة العنكبوتية مع مرور الوقت، إلى جنة للجواسيس بعد أن زالت معظم المخاطر التي كانت تتهددهم بفعل تواجدهم في دول تترصد حركاتهم في انتظار لحظة الإجهاز عليهم، كما توسعت أيضاً المهام الموكلة لأجهزة الاستعلامات بسبب انتشار تهديدات جديدة وغير مألوفة على غرار الإرهاب والجريمة المنظمة، وبخاصة بعد اتساع نطاق المواجهة بين الدول لتطال مجالات جديدة مثل الحروب الاقتصادية والعلمية، وتطورت أيضاً في السياق نفسه الطرق والأساليب المعتمدة في الهجمات الإلكترونية والمستندة على 3 محاور رئيسية: 1) إبطاء عملية تدفق المعلومات. 2) نقل ونشر فيروسات قادرة على تعطيل تجهيزات استراتيجية وحساسة. 3) التسلل إلى مصادر المعلومات والحصول عليها دون إثارة الانتباه.
وهناك في كل الأحوال تأثيرات متزايدة لهجمات الإنترنت على العلاقات الدولية وعلى السياسة الخارجية للدول.
ويمكننا في هذا السياق أن نقدم مثالين بارزين عن هذه التأثيرات الحاسمة على مسار السياسة الخارجية للدول، أولها يتعلق بالتسريبات الكبرى التي قام بها صاحب موقع ويكليكس جوليان أسانج، الذي يعتبره الغرب بقيادة الولايات المتحدة، عميلاً للاستخبارات الروسية، والذي أثرت وثائقه المسرّبة بشكل كبير في علاقة واشنطن مع الكثير من العواصم.
أما المثال الثاني فيتعلق بمكتب المحاماة في بنما المعروف بموساك فونسيكا الذي شكّل المصدر الأساسي للتسريبات، التي حصلت عليها وسائل إعلام دولية كبرى بطرق غامضة، والتي مست شخصيات بارزة في دول محورية مثل روسيا والصين وفي عدد من الدول العربية والإسلامية، وقد أجمع المراقبون على أن فضيحة وثائق بنما هي من تدبير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، كما وصفها بعضهم بأنها تمثل رداً أمريكياً مناسباً على نشاطات موقع ويكيليكس.
ونستطيع أن نلاحظ في سياق هذه المواجهة الدولية الكبرى عبر فضاء الانترنت، أن هناك تلاعباً من طرف أجهزة الإعلام الغربية بمعطيات هذه الحرب الإلكترونية غير المتكافئة؛ حيث يجري في معظم الأحيان تضخيم قدرات روسيا في مجال القرصنة الإلكترونية، ويتم السكوت في المقابل عن عمليات التجسس الواسعة النطاق التي تقوم بها واشنطن صاحبة أكبر محركات البحث والمتحكمة في أضخم شركات التقنية والمعلوماتية في العالم.

hzaoui63@yahoo.fr


للقراءة من المصدر....

الكاتب: الحسين الزاوي

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-08-25



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US