أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

ترامب يضرب بصواريخ ضريبية

كانت الحروب تندلع في السابق لأسباب اقتصادية مغلفة بغطاء سياسي، أو ديني، حتى الحروب الصليبية كانت بدوافع اقتصادية من قبل طبقة الإقطاع في أوروبا، تم تغليفها بطابع ديني. والاحتلال «الإسرائيلي» تأسس على هذا النمط لحاجة استعمارية في منطقة ذات موقع جغرافي وسيط بين الشرق والغرب، وفوق بحر من النفط، بدأ بالظهور في مطلع القرن العشرين. وما سمي ب»الربيع العربي» انتعش تحت غطاء سياسي،إلا أن هدفه كان تدمير القائم لإعادة بناء الخراب اللاحق، وتبديد الثروات حتى الآن. لكن ما نشهده اليوم من حرب تجارية بدأتها إدارة ترامب ضد دول أخرى خاصة الصين وروسيا، وحلفائها في أوروبا، واخيراً تركيا، تنذر بالتحول إلى مواجهات عسكرية، ولو بعد حين.
فالرئيس الأمريكي ترامب، توعد الصين حتى أثناء الحملة الانتخابية، ووصف السياسة التجارية مع الصين بأنها «اغتصاب»، وبدأ بفرض رسوم على الواردات لكبح الفائض التجاري بين البلدين الذي يميل لمصلحة الصين، حيث بلغ العام الماضي اكثر من 270 مليار دولار، وردت الصين بفرض رسوم على واردات أمريكية بقيمة أقل، على أمل أن تتغير السياسة الأمريكية، لكن يبدو أن الإدارة الأمريكية مصممة على إرهاق اقتصاد التنين الصيني، وهي تعلم أن الصين اكبر مستثمر في سوق السندات، وأذونات الخزينة الأمريكية، بحجم يزيد على 1500 مليار دولار، وهذا سيؤدي إلى تباطؤ اقتصادي في الصين والولايات المتحدة معاً، وفي دول أخرى تصدر المواد الخام.
وفي حالة انفلات حدود هذه الحرب التي بدأت تطال أوروبا، فذلك قد يهدد بركود عالمي شامل. واغلب الحروب العسكرية كما نعلم، اندلعت بسبب أزمات اقتصادية أولاً، لكن الأمر لن يصل إلى حرب عسكرية حتى الآن، لكن الأثر السلبي للحرب التجارية سيخلق أزمات اقتصادية مركبة في كثير من البلدان، مثل الدول المصدرة للخام.
والحالة التركية تختلف عن الحالات الأخرى، حيث ضرب ترامب تركيا بصواريخ ضريبية مؤلمة، فهي قد تؤدي إلى قصم ظهر الاقتصاد التركي الذي بدأ يعاني ارتفاع التضخم، وانخفاض سعر الليرة، وزيادة كلفة القروض الخارجية التي تبلغ 400 مليار دولار، وهروب المستثمرين. فالمواجهة التجارية بين ترامب والرئيس التركي أردوغان ليست مقتصرة الأسباب على اعتقال قس أمريكي إنجيلي، أي من صلب الكنيسة الإنجيلية التي أوصلت ترامب ونائبه بينس إلى الحكم ، بل هناك أسباب أخرى جيوسياسية قد تؤثر في سلطة أردوغان شخصياً. فقد تميز أردوغان بتذبذب سياسته، وعدم استقرارها، فهو عضو في «الناتو» لكنه يتصرف غير ذلك، وله خلافات مع دول «الناتو» مثل النمسا وهولندا وألمانيا وفرنسا، وصمت عن التدخل الروسي في القرم، وفي الوقت نفسه أراد أن يلعب لعبة مزدوجة، أي قدم في واشنطن، وأخرى في موسكو، لكن هذا لم يعجب واشنطن، خاصة عندما تبنى الحل الروسي -الإيراني في سوريا، ووقع صفقة صواريخ «إس 400»مع موسكو وصفقة «إف 35 «مع واشنطن، إذ لا يمكن الجمع بين الضدين، وبين سياستين مختلفتين في آن. فأردوغان ما زال يخشى شبح الداعية غولن المقيم في الولايات المتحدة، وما زال بعد ثلاث سنوات من محاولة الانقلاب يعتقل المزيد من مؤيديه. فلا مفر لأردوغان في نهاية المطاف من الانصياع للشروط الأمريكية وكبح جماع طموحه في التحول إلى قطب إقليمي، أو الدخول في أزمة اقتصادية خانقة تؤدي إلى سقوطه. ولعل متاعب أردوغان الحالية تكمن في أنه لا يستمع إلى نصائح حليفيه السابقين عبدالله جول، وأحمد داوود أوغلو اللذين سعيا إلى تطبيق سياسة «صفر مشاكل»، أي تحسين العلاقات مع دول المنطقة، وعدم التورط في نزاعات. لكن أردوغان سلك سلوكاً آخر، فأدار ظهره لدول الخليج، وتحالف مع قطر، وأقام قاعدة له هناك، ودعم علاقاته مع ايران، وعادى مصر، وجاهر بالعداء ل»إسرائيل» لكن علاقاته معها ظلت ضمن سياقها من تحت الطاولة.
هذه السياسة المتلونة لا يمكن أن تحافظ على الزخم الاقتصادي في بلاده، وتقلل من الأصدقاء، باستثناء صداقة جماعة الإخوان المسلمين. والتعامل بالعملات المحلية في التبادل التجاري هو حل ترقيعي، فما عجزت عنه الصين وروسيا لن تفلح فيه تركيا، فحتى الاقتصاد القطري لا يمكنه إنعاش الاقتصاد التركي لأن حجم ديون تركيا بحجم الاحتياطي القطري. فالعودة إلى سياسة مرنة، وتقليل العداوات، والتخلي عن حلم الخلافة العثمانية والأطماع بشمال سوريا، هما الدرب للنجاة أمام تركيا.

hafezbargo@hotmail.com


للقراءة من المصدر....

الكاتب: حافظ البرغوثي

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-08-18



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US