أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

مستقبل العالم بعد تحوّلات التكنولوجيا

عندما حلّ ما يسمى «الربيع العربي» بتناقضاته وتفشّت أوزار الإرهاب في معظم الأوطان العربيّة، خلدت إلى البحث عن أسرار الطموحات وفيض القوة العظمى الأمريكيّة ومتابعتها خصوصاً بعد الإعلان اللافت الرسمي من واشنطن بأنّ استئصال «دولة الخلافة» يتطلب أكثر من 30 سنة.
بدا توظيف العقل الأمريكي قديماً في العلم والتكنولوجيا من ال1770 و1970 هو الأساس الحقيقي لما نشهده منذ مئتي سنة، حيث تفجّرت ملامح العولمة واستراتيجياتها وأدواتها الطاغية. كان هذا العقل مسكوناً بأمرين، الابتكار والتسويق وهما همّان ضخمان يصبان في قلب العلاقات الجدلية الخطيرة بين السياسات والحروب.
إنّ تكبير الحجر كما نسمّيه نحن العرب بمعنى تضخيم أحجام الدول يخضع لاستراتيجيات عسكرية أولاً وسياسية اقتصادية دقيقة ثانياً تضخّم المهمات والأهداف لأجل مضاعفة الميزانيات بتصرّف القادة العسكريين والأمنيين. بهذا المعنى نفهم كيف فرض الاقتصاد الواسع التطلّعات نفسه إلى حماية القوة العسكرية والتوسعات التي تولّد غالباً السياسات الحامية التي تنضج بدورها فتولّد الحروب التي تجرّ بعد الإعياء إلى دبلوماسية السياسة والتوازن الطبيعي بمعنى التفاوض وتقاسم النفوذ والمصالح بعد حسابات الأرباح والخسائر التي لا تندرج فيها كوارث الأوطان الصغيرة وتفتح خطط إعادة الإعمار وميزانياتها الضخمة لتأمين مضاعفة الإنتاج والأرباح.
أتطلّع هنا إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل نكتشف فيه بسهولة قدرة التكنولوجيا الأمريكية تحديداً في تسهيل الصناعات وفتح الأسواق وانتشارها في العالم عبر هويات مختلفة أصيلة ومقلّدة ومنافسات كبرى واختلاطات جعلت الاقتصاد الحر والموجه يتقاربان ويتعايشان في مساحات الدول المتنوعة الثقافات والتوجهات واللغات. يمكن الكتابة أن القوّة الاقتصادية الأمريكية تحرّرت من الغرب بعدما فاضت بكلّ أدواتها ومفاعيلها في الشرق. السبب الأساسي لذلك هو الانتشار الكثيف للتكنولوجيا في بلدان الشرق كبيرها وصغيرها.
الفصل الثاني يرشدنا إلى خط معاكس خطا فيه الشرق بدوله الكبرى والصغرى ممتلكاً برامج تكنولوجيا الغرب في باحة الدار الشرقية والعيون على الشرق الأوسط بكونه الأغنى ورقعة التواصل والتنافس التاريخية بين الشرق والغرب.
كان من الطبيعي أن تتطلّع الصين وروسيا إذن للتقدم نحو الغرب بهدف حماية مصالحها وطرقها وممراتها الاقتصادية وأسواقها، وكان من الطبيعي أيضاً أن تشعر الدول الصغرى لا كأنظمة وحسب بل كشعوب لم تنعم بطعم الحريات إلاّ بعدما تكشّفت لها الدنيا عبر التكنولوجيا السهلة المقتنى فصارت تشعر وكأنّها مسكونة بهاجس التحرّر من أنظمتها والفتون بالغرب المنبوذ في ثقافاتها ومواقفها التقليدية. صار الانخراط في تجميع المكتشفات التكنولوجية وبرامجها وتسويقها يسهّل تعبيد طرق الحروب والانتفاضات بين القوى الصاعدة المتعلّقة بالمستورد والتغيير مقابل القوى أو الأنظمة الثابتة القديمة والتقليدية.
وهنا ملاحظة:
ليس بالضرورة في حركة الشرق والغرب التبادلية والتشاركية التنافسية أن تكون التكنولوجيا بمفاعيلها الثقافية والتحرّرية محكومة بعدم الانضباط أو المشاعية لسببٍ بسيط، هو أنّ النظرة العامّة العظمى والتقليدية إلى الشرق الأوسط بقيت محصورة بالأبعاد المالية غير الصناعية المتوفّرة في معظم البلاد العربيّة والإسلامية البترولية، فهي تؤمّن القوّة اللازمة للأقوياء وقادرة في الوقت نفسه على أن ترهقهم عند مجرّد التفكير بإحداث نوع من الخلل في التوازن لا التكنولوجي بل العسكري.
ملاحظة ثانية تفرض نفسها هنا وتتعلّق بمشاعية التكنولوجيا أو إمكانية الحصول عليها من التنظيمات الإرهابية لتعزيز قدراتها وتحقيق تمرّدها واستمراريتها بعد التخلّي عنها سواء كان بحوزتها أسلحة جديدة متطورة أو بيولوجية أو كيميائية أو حتّى نووية.
الفصل الثالث: تشكو أمريكا من الصين وقد نسخت صناعاتها وتنافسها ومثلها الهند ودول كثيرة في رأسها روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتشار التكنولوجيا والحروب التي أعادت بناء عظمتها من سوريا للمشاركة الندّية في التوازن العالمي بعدما وصلت دمشق إلى الذروة عندما تغلغل 1200 فصيل إرهابي فيها واستحال التحكّم بالمستقبل أو ضمان تنفيذ أي اتّفاق مبدئي سياسي.
يمكنني التذكير بلقاء بشار الأسد عام 2005 مع الرئيس فلاديمير بوتين معبّراً عن شعوره بأن الحرب الباردة لا تزال قائمة. وافقه بوتين قائلاً: «إنها حرب صحيح، لكنها حرب اختلاط حضارية بين الشرق والغرب».
السؤال الأخير يمكن طرحه على هنري كيسنجر وقد بشّر بتكنولوجيا المعلومات كعامل سيوحد البشر بعدما فشلت الفلسفة والأديان والعلوم في ذلك:
ماذا لو تراجع الابتكار التكنولوجي الأمريكي وفقد هويته الأصلية مثلاً وضمرت أسواق أمريكا وتراجعت عظمتها بعد يقظة الدول العظمى والأخرى عند هندسة التوازن العالمي الجديد؟


للقراءة من المصدر....

الكاتب: د.نسيم الخوري

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-08-11



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US