أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

أمريكا في عالم يتغير

لعل الظروف الدولية تسمح حتى الآن للولايات المتحدة بأن تكون الأقوى نفوذاً في العالم، ولكن إلى متى يستمر هذا الوضع، أمام مؤشرات توحي بتحولات جارية في صميم مكونات النظام العالمي، لكنها تأخذ وقتها في عملية صياغة نظام دولي جديد ومختلف؟.
اعتادت الولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة أن تكون على يقين مما يقع في العالم من أحداث، هي المحرك الرئيسي لها، وأن تضع لنفسها إستراتيجية للأمن القومي، وهي ضامنة لاستمرار صلاحيتها للأجل الطويل، حتى إن الإستراتيجية التي بدأت العمل بها منذ عام 1947، والتي أدير بها الصراع العالمي مع الاتحاد السوفييتي، وعقب نهاية الحرب العالمية الثانية، قد دام مفعولها لأكثر من خمسين عاماً.
وساعدها على هذا التميز ما امتلكته من مخزون متفرد للخبرة، ممن تخصصوا في إستراتيجية هذا الصراع، والإلمام بكافة المعلومات المتعلقة بالخصم الذي يدور معه الصراع، إلى درجة التأكد مسبقاً من نواياه، بل وردود أفعاله إزاء السياسات الأمريكية، سواء التي تجري في دائرة الصراع المباشر معه، أو التي تدور في مناطق التنافس على امتلاك النفوذ فيها، وذلك في أنحاء العالم، وبعيداً عن حدود كل منهما.
وهو وضع لم يعد متاحاً للولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1991، وبروز أدوار جديدة لقوى صاعدة، لم تعد مراكز الخبرة التقليدية في أمريكا على دراية كافية بها، أو بالبواعث الثقافية التي تتميز بها هذه القوى الصاعدة. وبالتالي فقدت أمريكا خاصية اليقين مما سيجري من أحداث، فضلاً عن تراجع قدراتها القديمة على الإمساك بزمام هذه الأحداث.
وصاحب ذلك إقرار من كبريات المؤسسات الأمريكية، بتراجع نسبي في القدرات السياسية والعسكرية الأمريكية، ومنها تقرير أثار الاهتمام للمخابرات المركزية الأمريكية، من بعد تعثرها في العراق، إثر الغزو الذي كانت نتيجته تفشي الفوضى والإرهاب، دون تحقيق ما أرادته أمريكا من أهداف لهذا الغزو.
وأخذت تتوالى التوقعات عن قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في الاستحواذ على موقعها في قيادة العالم. فمثلاً قال هنري كيسنجر، إنه يتوقع أن تكون الولايات المتحدة، واحدة ضمن مجموعة قوى متساوية في التأثير، على قمة النظام الدولي الجديد.
وتتابع صدور مؤلفات عديدة تتوقع عصراً مختلفاً للنظام العالمي، من بينها الكتاب الذي شغل اهتماماً كبيراً في الولايات المتحدة، والذي صدر بعنوان «ما بعد العصر الأمريكي»، لكاتبه خبير السياسة الخارجية فريد زكريا، وهو أمريكي من أصل هندي.
ثم تعددت الآراء التي راحت تتوقع انتقال العالم إلى ما أصبح يعرف بالقرن الآسيوي، وذلك منذ صعود الصين، وبمعدلات غير مسبوقة في التنمية الاقتصادية التي بلغت 10% في المتوسط، فضلاً عن أنها قفزت في بعض المناطق التي أحاطت بها وفورات إنتاجية على 14%. ثم ما بدأ يتضح من تجاوز هذا الصعود حدود الصين، ليتحول إلى عملية يتسع مداها الإقليمي، تضم منظومة آسيوية من دول أخرى حققت نفس الصعود التنموي، والتي جعلت العالم وخاصة في الغرب يطلقون عليها صعود آسيا.
وهو ما عبر عنه كيسنجر بقوله، إن مركز التأثير الذي ظل مكانه في الغرب لفترات طويلة في طريقه للانتقال إلى آسيا.
كل هذه التطورات المتلاحقة صاحبها تراجع في قدرة الولايات المتحدة على امتلاك إستراتيجية لسياستها الخارجية تستمر ولو حتى لعدد معقول من السنوات.
فبنهاية الحرب الباردة بدأ يظهر فراغ في عالم الفكر السياسي الأمريكي، وشعور بالحاجة إلى مبدأ جديد للسياسة الخارجية. وجرت محاولة لذلك في عهد الرئيس بوش الأب - الذي انتهت الحرب الباردة في عهده - لكن محاولاته لم تنجح، وهو نفس ما حاوله كلينتون من بعده، لكنه أدرك أن العالم يتغير بسرعة، مما يجعل الوصول إلى صياغة إستراتيجية جديدة للسياسة الخارجية مسألة صعبة.
تكرر الشيء نفسه، في عهود الرؤساء اللاحقين وهو ما حدث عندما أعلن جورج بوش الابن، إستراتيجيته الجديدة للأمن القومي عام 2002، والتي لم يقدر لها أن تقف على قدميها لأكثر من ست سنوات، ثم بدأ مجتمع السياسة الخارجية، وضمنه وزراء الخارجية السابقون، وكذلك مستشارو الأمن القومي، ينتقدون إستراتيجية بوش، ويركزون على ما بها من أخطاء.
وتكرر الأمر نفسه، بعد أن تولى أوباما الحكم، ليعترف بأن الرؤية الإستراتيجية لعام 2010 لم تعد صالحة، ورأينا في عهده التناقضات الشديدة في مواقفه في سياسته الخارجية.
ثم زادت الظاهرة تفاقماً بعد تولي دونالد ترامب الرئاسة، وما جرى من تغييرات متلاحقة فيمن يتولون إدارة السياسة الخارجية والذين شغلوا مناصب وزير الخارجية، ومستشار الأمن القومي، ووزير الدفاع، ورؤساء المخابرات. بالإضافة إلى ما جرى من تناقضات في قرارات ترامب في تعامله مع قضايا أساسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
أمريكا تعاني من تراجع قدراتها على قراءة ما يجري في العالم من تحولات، وتلك هي المشكلة التي تعاني منها، والتي بدأت من أول التسعينات، وراحت تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.


للقراءة من المصدر....

الكاتب: عاطف الغمري

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-07-25



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US