أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

الزواج الألماني - الفرنسي و«إعصار» ترامب

تفرض الوضعية الراهنة التي تسود العلاقات الدولية تحديات جدية وغير مسبوقة على «الزواج» السياسي الألماني-الفرنسي وعلى مشروع الوحدة الأوروبية، الذي تواجهه تحديات خطيرة، بدأت مع البريكست البريطاني ولكنها لن تنتهي بصعود التيار الشعبوي في الكثير من دول الاتحاد، وذلك فضلاً عن الحملات الهجومية المتواصلة التي يشنها ترامب على الاتحاد الأوروبي، والتي كان من أبرزها انتقاده لتيريزا ماي في جريدة «ذي صن» البريطانية يوم 13 يوليو/تموز، على عدم تبنيها لخيار بريكست شامل. وقد أكد، في السياق نفسه، أن رئيسة الوزراء لم تستمع لنصائحه بخصوص هذا الموضوع، وحذّرها من أن قربها من بروكسل سيقتل كل اتفاق تجاري مستقبلي مع الولايات المتحدة؛ وبالتالي فإن الخيار الوحيد الذي سيبقى مفتوحاً أمام رهان مواصلة بناء الوحدة الأوروبية، سيظل مرتبطاً مستقبلاً، بمدى قوة وصلابة العلاقات الثنائية والتاريخية ما بين فرنسا وألمانيا.
ومن أجل فهم أعمق لطبيعة العلاقة التي جمعت بين هذا الزواج منذ عقود من الزمن، علينا تتبع المسار التاريخي الذي طبع تطور علاقات هذا التكتل الصغير والفريد من نوعه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي ينتظر منه أن يواصل الكفاح بكل بسالة من أجل المحافظة على المكاسب التي أُنجزت على مستوى بناء مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ويذهب المراقبون للشأن الأوروبي إلى أن البدايات الأولى للتقارب بين ألمانيا وفرنسا، كانت محتشمة ومتثاقلة بسبب جراحات الذاكرة المثخنة بمشاهد ضحايا الحروب من نابليون إلى هتلر، لكن سياسة الأيدي الممدودة ما بين الرئيس شارل ديجول والمستشار كونراد أديناور أتاحت للدولتين وضع اللبنات الأولى لأكبر تجمع سياسي واقتصادي في تاريخ العلاقات الدولية، وذلك بعد أن قاما بالتوقيع على ما بات يعرف باتفاق الإليزيه يوم 22 كانون الثاني/ يناير 1963، الذي أسهم في تحقيق مصالحة شاملة بين الشعبين ودشن مرحلة مثمرة من التعاون بين البلدين الجارين.
وعرف المنحى التصاعدي للعلاقات الألمانية الفرنسية بُطأً لافتاً في عهد الرئيس جورج بومبيدو والمستشار فيلي برانت في الفترة ما بين 1969 و1974، بسبب استثمار برانت لتراجع حدة الحرب الباردة من أجل توطيد علاقات ألمانيا الغربية بأختها الشقيقة في الشرق ومع كل الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي، وقد سمح خلال سنة 1971 لسكان برلين الغربية التي كان عمدة لبلديتها في مرحلة سابقة، بالتنقل بكل حرية نحو برلين الشرقية، بالرغم من وجود حائط برلين الذي تم بناؤه سنة 1961؛ وشهدت هذه الفترة تقارباً كبيراً بين فرنسا وبريطانيا، أفضى إلى التحاق لندن بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1973. وبالرغم من كل ذلك فقد تمكن الزواج الألماني- الفرنسي أن يحرز في هذه الفترة تقدماً ملموساً على مستوى التعاون بين الجانبين من خلال إنشاء مؤسسة إيرباص سنة 1970 والمدارس الثانوية المختلطة بداية من سنة 1972.
ويجمع المراقبون للشؤون الأوروبية على أن التحول الحاسم في العلاقة بين ألمانيا وفرنسا حدث ما بين 1974- 1981 في فترة حكم المستشار هيلموت شميت والرئيس فاليري جيسكار ديستان، وهي الفترة التي بدأ خلالها الإعلام الفرنسي استعمال مصطلح «الزواج» الفرنسي- الألماني لوصف الطابع الاستثنائي والمحوري للعلاقة بين البلدين، وذلك في مقابل انتشار مصطلح «المحرِّك» الألماني- الفرنسي في وسائل الإعلام الناطقة بالألمانية؛ كما شهدت هذه المرحلة وضع القواعد التي سمحت لدول أوروبية جديدة بالانضمام إلى المجموعة الاقتصادية، وبصياغة الأفكار الرئيسية لمشروع الوحدة النقدية.
وتواصلت بعد ذلك ديناميكية الاندماج والتعاون الاستراتيجي بين البلدين في عهد الرئيس فرانسوا ميتران والمستشار هيلموت كول، من أجل تجسيد مشروع الوحدة الأوروبية التي بدأت تأخذ في هذه الفترة أبعاداً سياسية قوية بالإضافة إلى أبعادها الاقتصادية التي ازدادت صلابة ورسوخاً مع مرور الوقت، وهو الأمر الذي حرص كل المسؤولين الذين تولّوا السلطة في البلدين بعد ذلك، من أجل تدعيمه والمحافظة عليه، لا سيما في فترة حكم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي أعطت دفعاً قوياً لمؤسسات الاتحاد في بروكسل برفقة نظرائها الفرنسيين من ساركوزي إلى ماكرون.
وعليه فإنه ومنذ وصول الرئيس الشعبوي الأمريكي إلى السلطة مع بداية السنة الماضية ارتفع مستوى التنسيق بين البلدين بشكل لافت للنظر، وقام المسؤولون في باريس وبرلين بتبادل الأدوار بينهما من أجل مواجهة الضغوط المتزايدة التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على الجميع، والتي كان آخرها التصريح الذي أدلى به ترامب لشبكة «سي بي إس» الأمريكية، والذي قال فيه بشكل واضح لا لبس فيه، إن أكبر أعدائه وخصومه في العالم حالياً هم «الاتحاد الأوروبي وروسيا من بعض النواحي، والصين التي تعتبر عدواً من الناحية الاقتصادية». ومن الواضح أن واشنطن عندما تتحدث عن الاتحاد الأوروبي فإن تركيزها يظل منصباً بالدرجة الأولى على هذا الزواج المحوري الجرماني- اللاتيني القادر على مواجهة «إعصار» ترامب.

hzaoui63@yahoo.fr


للقراءة من المصدر....

الكاتب: الحسين الزاوي

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-07-21



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US