أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

ترامب وسياسة إضعاف أوروبا

الحرب الكلامية، التي دارت بين دونالد ترامب وأنجيلا ميركل على هامش أعمال القمة السنوية لحلف الناتو، تتجاوز على ما يبدو خلافات ظاهرية حول مسألة تمويل العمليات العسكرية للحلف؛ بل تخفي وراءها رغبة الرئيس الأمريكي في إضعاف أوروبا «العجوز»، والتحول عنها إلى عقد اتفاقات ثنائية خاصة مع دول مثل بريطانيا، التي خرجت قبل سنة من البيت الأوروبي. ترامب الذي قلب تقاليد السياسة في أمريكا، المستوحاة من النموذج الأوروبي، يبدو أنه لم يعد مقتنعاً بأوروبا «العجوز» حليفاً استراتيجياً.
دونالد ترامب أيّد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وساند بقوة عملية «البريكست» حتى قبل أن يصل إلى البيت الأبيض. وعطل ترامب اتفاق التجارة الحرة بين أوروبا وأمريكا، وفرض رسوماً جمركية على واردات عدة بضائع من أوروبا، ويمكن القول إن «الحرب التجارية»، التي أعلنها ترامب على الصين سحبها على الحليف الأوروبي أيضاً. كل ذلك لم يشف غليل ترامب، الذي لم يواصل فقط في حربه التجارية مع أوروبا؛ بل إنه ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض شنّ حملة واسعة على حلف الناتو، واعتبر أن الأوروبيين يستغلون الولايات المتحدة، ويستنزفون أموالها؛ من أجل حمايتهم؛ حيث قال:«أمريكا استُغلت من قبل أعضاء آخرين في حلف الناتو»؛ تصريحات صبّت الزيت على النار في علاقات تشهد اهتزازات
وصدمات عنيفة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى كسر الحلف الاستراتيجي بين القارة العجوز والقارة الجديدة. دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، وجه كلاماً حاداً إلى ترامب متهماً إياه بانتقاد أوروبا «بشكل يومي تقريباً». وقال عبر موقع «تويتر»، «عزيزتي أمريكا، يتعين عليك أن تقدري حلفاءك؛ لأنه لم يعد لديك عدد كبير من الحلفاء» أما المستشارة الألمانية، فقد قالت في جلسة برلمانية قبل قمة السبع، التي انعقدت في نهاية يونيو/‏حزيران الماضي، التحديات الكبرى لا حدود لها؛ لذلك وأكثر من أي وقت مضى، يرتكب خطأ كبيراً من يظن أن بالإمكان حل مشاكل العالم من خلال الحمائية والانعزالية. والكلام موجه بصفة ضمنية للرئيس الأمريكي، الذي يطبق شعار«أمريكا أولاً»، في كل المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية،
ويواصل تفكيك منظومة التحالفات التقليدية، التي أرستها الإدارات الأمريكية السابقة.
وتأكيداً لحجم الخلافات بين واشنطن وبروكسل، أشارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إلى أن أوروبا ربما لم تعد قادرة على الاعتماد على حليفتها الولايات المتحدة. وكان الرئيس الفرنسي الذي يحاول الحفاظ على «شعرة معاوية» في العلاقات بين أوروبا وأمريكا، قد اضطر إلى انتقاد ما سمّاها «نوبات الغضب» لدى الرئيس الأمريكي، واعتبر أن الدبلوماسية لا يمكن أن تقاد بنوبات الغضب تلك. وواضح أن الرئيس الفرنسي قد ساءت علاقاته بترامب منذ أن أعلن الأخير انسحابه من الاتفاق النووي، الذي وقعته خمس دول غربية مع إيران. وواضح أن أوروبا باتت على يقين من أن استمرار ترامب في نهج سياساته الانعزالية حتى مع أقرب حلفائه، لن يؤدي إلا إلى تدهور العلاقات مع واشنطن، في وقت تتوجس فيه أوروبا خيفة من الطموحات الروسية القوية للامتداد غرباً نحو حدود أوروبا، ومن التنين الصيني الذي يجتاح العالم اقتصادياً.
تشعر أوروبا بأن ترامب، يساهم في إضعافها سياسياً؛ وذلك بدفعه نسق العلاقات مع بريطانيا، التي زارها في الأيام الأخيرة قائلاً: إن العلاقات معها متينة وقوية جداً. ويساهم في إضعافها أمنياً؛ بسعيه المحموم نحو تفكيك حلف الناتو، وانتقاد طريقة تمويله وسلوكه مسلكاً ابتزازياً من وجهة نظر الأوروبيين. ويساهم في إضعافها اقتصادياً؛ وذلك بإعلان حرب تجارية تشمل الحليف الأوروبي والصين.
ويبدو أن أوروبا، التي تمثل الرأس الأول من الحضارة الغربية، تشعر أن عملية الفصل القسري مع الرأس الثاني «أمريكا»، قد بات أمراً مؤكداً إذا تواصل حكم البيت الأبيض من قبل ترامب. ولكن أين ستتجه أوروبا إذا فكت الارتباط مع الولايات المتحدة؟ ومن هم حلفاء أمريكا الجدد، إن كانت أوروبا ستبقى على مسافة من واشنطن؟ إنه عالم متغير ومتقلب، وفي العصر الترامبي لا شيء مستحيلاً.

belhedi18@gmail.com


للقراءة من المصدر....

الكاتب: كمال بالهادي

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-07-19



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US