أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

النظام الدولي الجديد

يتكلم الأغنياء في العالم لغة متقاربة، ويحملون هماً مشتركاً هو كيفية المحافظة على أقلية تملك أكثر، وأغلبية تملك أقل. ولقد حرص الأغنياء في كل المجتمعات على أن يقدموا للفقراء «تفاحة الخطيئة».. «الفقر إرث إلهي»، ولكن معلم الفقراء الأول (الجوع) كان يقول لهم: الفقر إرث اجتماعي، ومن تصادم هاتين النظريتين وتناقضهما تولدت كل الحروب الأهلية، وتعلم الفقراء أن الإنسان هو الذي يبني المجتمع، والإنسان هو الذي يغيره.
يقول المثل الإنجليزي: «أن تجد في تفاحتك دودة كاملة، أفضل من أن تجد نصف دودة»، ومن داخل تفاحتهم كشف الفقراء خطورة اللعبة: فالإرث الإلهي مقدس لا يمس، أما الإرث الاجتماعي فقابل للتغيير، والفقر والغنى مسألة إنسانية وليست قضاء وقدراً، وإزاء هذا الوعي من قبل الفقراء، بدّل الأغنياء تكتيكهم فقالوا: أيها الفقراء الملاعين، إننا نقبل القسمة الجائرة التي تريدون فرضها علينا، حسناً «خذوا الجنة.. وأعطونا البنوك».
على مستوى الدول يتحدث الشمال الغني مع الجنوب الفقير بنفس اللغة تقريباً، العالم الأول والعالم الثالث، وبالمناسبة فالعالم الثالث ليس منطقة جغرافية فحسب، بل هو التصنيف السري للبشر باعتبارهم من الدرجة الثالثة، وما الاستعمار إلا التطبيق العملي لفكرة الإرث الإلهي في أحقية الدول الغنية بنهب المواد الخام للدول الفقيرة، فالنفط بنظر الشمال سلعة أرسلها الله بالصدفة في بلاد الجنوب ولكنها سلعة استراتيجية للحضارة الغربية ومن غير المسموح به أن تقوم الدول المنتجة للبترول (العالم الثالث) بالتحكم في تدفق هذا النفط إلى تلك الحضارة، ولا تحديد أسعاره من طرف واحد، وخاصة الطرف الفقير، وبالمقابل لا يتورع الغرب عن استخدام القمح كسلاح ضد الشعوب الفقيرة لإرغامها على الخضوع لسيطرته.
يقول العالم الأول للعالم الثالث: ما لديكم لنا ولكم.. وما لدينا لنا وحدنا.
هذا هو باختصار تاريخ إمبراطوريتين غربيتين استعمرتا آسيا وإفريقيا قرناً من الزمن هما بريطانيا وفرنسا، حيث جاء المبشر أولاً وتبعه التاجر ثم الجندي.
وكل حروب الاستقلال في العالم الثالث كانت لإخراج هذا الثالوث بنفس الترتيب الذي دخل به. تحديث الاستعمار جاء على يدي الإمبراطورية الشابة (أمريكا) التي ورثت الإمبراطوريتين القديمتين ليكون الاستعمار الجديد أكثر عصرية بما يتلاءم مع نهاية القرن العشرين.
فالمبشر والتاجر والجندي جرى استبدالهم برجل أنيق يتكلم بهدوء ويتصنع التواضع والدماثة، هذا الكيان هو البنك الدولي، وسلاحه محفظة أوراق صغيرة مدون عليها ديون العالم الثالث.
والبنك الدولي هو نادي الدول الغنية، وبما أن أمريكا تملك 70٪ من هذا النادي، فإنها تشعر بحقها في حكم العالم وصياغة نظامه الجديد، ومن هذا النادي يجري قصف الدول الفقيرة بالديون والفوائد التي تقصم الظهر، وعندما تصرخ هذه الدول طالبة الرحمة، فإن أقصى ما يقدمه البنك الدولي هو «قشة» جدولة الديون. وشروط الجدولة غالباً ما تكون تفكيك القطاع العام ودفن التخطيط الاشتراكي ورفع الدعم عن السلع الضرورية للفقراء، وتصفية المعارضة الوطنية، ورهن المواد الخام، وذلك يمكن تلخيصه بضرورة رهن الأجيال القادمة لسداد الديون والفوائد الفاحشة.


للقراءة من المصدر....

الكاتب: محمد خالد

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-07-15



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US