أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

«الفيتو» الأمريكي و«صفقة القرن»

المعركة الدبلوماسية التي شهدتها أروقة مجلس الأمن الدولي الأسبوع الفائت بين الوفد الكويتي (رئاسة المجلس)، السفير منصور العتيبي، مدعوماً من أغلب الدول الأعضاء وبين الوفد الأمريكي ورئيسته نيكي هايلي حول مشروع قرار كويتي يطالب بتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال «الإسرائيلي»، كشفت بعمق حقيقة المشروع الأمريكي المزعوم للسلام الذي يحمل اسم «صفقة القرن». فالمفترض أن هذا المشروع يحقق السلام الغائب بين دولة الاحتلال «الإسرائيلية» وبين الشعب الفلسطيني، ومن ثم فإنه، حتماً، يتضمن رؤى ومفاهيم أمريكية للطرفين المتصارعين: دولة الاحتلال والشعب الفلسطيني، وإذا كانت واشنطن قد تعمّدت، لأسباب تخصها هي، إخفاء النص الأمريكي المعتمد لتلك «الصفقة» فإن مواقف الرئيس الأمريكي وأركان إدارته إزاء الطرفين «الإسرائيلي» والفلسطيني، ابتداءً من قرار الاعتراف بالقدس «عاصمة موحدة وتاريخية» لدولة الاحتلال، مروراً بنقل السفارة الأمريكية إليها، امتداداً إلى الانحياز الأمريكي المطلق لكل قرارات الاستيطان والتوسع والضم للأراضي المحتلة والتنكيل والقتل للشعب الفلسطيني دون وازع من أخلاق أو ضمير، تكشف أن المشروع الأمريكي للسلام ليس إلا مشروعاً لنقل السيادة «الإسرائيلية» على القدس والضفة الغربية أو معظمهما على حساب الشعب الفلسطيني، الذي لا يختلف مصيره ومستقبله كثيراً، عند هذه الإدارة، عن مصير الهنود الحمر السكان الحقيقيين لشمال أمريكا.
وجاءت معركة هايلي، مسنودة من الرئيس ترامب وإدارته، لإسقاط مشروع الكويت بطلب توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني من القتل والتنكيل الذي يتعرّض له على أيدي قوات الاحتلال، لتؤكد رفض الإدارة الأمريكية توفير أي نوع من الحماية لهذا الشعب، فالشعب الفلسطيني مطلوب إبادته وليس حمايته، وإذا كانت الإبادة الجسدية لم تعد ممكنة هذه الأيام، فلتكن إبادة سياسية عن طريق ما تتضمنه «صفقة قرن دونالد ترامب».
ما يؤكد ذلك اعتراض هايلي على مشروع قرار يدين الجرائم «الإسرائيلية» بل والمجزرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال ضد المتظاهرين السلميين على طول خط الفصل (وليس خط الحدود) بين قطاع غزة و«إسرائيل» يوم احتفال دولة الاحتلال وواشنطن بالعيد السبعيني لتأسيس «إسرائيل»، وبتدشين نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. فقد رفضت المندوبة الأمريكية صدور بيان من مجلس الأمن يدين قتل 60 فلسطينياً، بينهم أطفال ونساء ورجال إسعاف، وإصابة أكثر من 2000 في ذلك اليوم، وكان تعليقها على تلك المجزرة أن «إسرائيل» مارست «ضبط النفس» أثناء تلك المجزرة. ما يعني أنها ترى أن جنود الاحتلال كانوا في قمة إنسانيتهم ويعبّرون عن «الديمقراطية المتفردة» لدولتهم عندما اكتفوا بقتل وإصابة كل هذا العدد من المتظاهرين السلميين في ذلك اليوم المشؤوم.
ما يؤكد ذلك أيضاً أن قرار «الفيتو» لإسقاط مشروع كويتي يطالب بتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني، سبقته بأسابيع زيارة وزير الخارجية الأمريكي الجديد «مايك بومبيو» للكيان، وهناك، وفور لقائه برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بادره بالقول «أنتم شركاء مهمّون للغاية، وهناك مكان خاص في قلبي مخصص لكم»، كما سبقه بأسبوع فقط إصدار المحكمة «الإسرائيلية» حكمها الصادر بإجماع قضاتها والقاضي برفض التماس التوقف عن إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين الفلسطينيين.
وجاء استخدام هايلي لحق «الفيتو» على مشروع قرار توفير الحماية للشعب الفلسطيني، متطابقاً ومنسجماً مع حيثيات هذا الحكم القضائي الداعم للاستمرار في قتل المتظاهرين السلميين.
بررت هايلي استخدام «الفيتو» بادعاء أن مشروع قرار حماية الشعب الفلسطيني لم يأخذ بالطلبات والإضافات التي قدّمتها إلى رئيس الوفد الكويتي في مجلس الأمن، وكانت هذه الطلبات أو الإضافات تنص على «التنديد، بأشد العبارات الممكنة»، بقيام حركة «حماس» بإطلاق الصواريخ والقذائف على «إسرائيل»، وتشطب أي عبارة تشير إلى مقتل عشرات الفلسطينيين وجرح آلاف المدنيين الفلسطينيين بالنيران «الإسرائيلية»، بل وشطب كل عبارة ترد في النص الأصلي للمشروع عن «الاحتلال» (ما يعني أن واشنطن لا ترى الضفة وغزة أرضاً محتلة)، فضلاً عن شطب طلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني.
هذه الطلبات هي التي تكشف المضمون الحقيقي ل«صفقة ترامب» المزعومة. وإذا كان مشروع الكويت بطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني قد أيدته عشر دول من أعضاء المجلس (البالغ عددهم 15 عضواً)، ومن ثم كان يمكن أن يصدر لولا الفيتو الأمريكي، ما يعني أن معظم العالم مع حقوق الشعب الفلسطيني، فإن أي دولة لم تؤيد مشروع القرار الذي أعدته هايلي في مواجهة المشروع الكويتي، ويدافع عن حق «إسرائيل» في الدفاع عن نفسها ويلقي بمسؤولية العنف على حركة «حماس»، وهذا بدوره تصويت دولي آخر ليس فقط مع حقوق العشب الفلسطيني، بل أيضاً ضد مضامين المشروع الأمريكي للسلام.

msiidries@gmail.com


للقراءة من المصدر....

الكاتب: د. محمد السعيد إدريس

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-06-08



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US