أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

الإمارات وأزمة المياه العذبة.. تجربة رائدة نحو الاستدامة وتعزيز الجهود العالمية

لا شك في أن أزمة الجفاف وتراجع مستويات المياه العذبة تعد واحدة من أهم الإشكاليات البيئية التي يواجهها العالم حالياً، وبالأخص في ظل تزايد حدة تداعيات التغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الأرض.

وتعد أزمة مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا، التي تصدرت وسائل الإعلام العالمية أخيراً بسبب تراجع منسوب المياه في تلك المدينة ذات الـ 4 ملايين نسمة إلى حد الجفاف، المثال الأحدث والأكثر إيضاحاً لخطورة هذه الأزمة على حياة ملايين البشر.

وعلى الرغم من سياسة ترشيد الاستهلاك الفردي القصوى للمياه التي تطبقها كيب تاون، والتوقعات بزيادة منسوب الأمطار، الأمر الذي أرجأ احتمالية جفاف المدينة للعام 2019، إلا أن ما يحدث يدق ناقوس خطر ويلفت الانتباه العالمي إلى ضرورة العمل من أجل المياه والتحرك السريع لابتكار حلول ناجعة ومستدامة لهذه الأزمة.

ووفقاً للإحصاءات العالمية، فإن 60% من سكان العالم يتواجدون في مناطق تعاني من نقص في موارد المياه العذبة بسبب تجاوز معدل الطلب إجمالي العرض. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة في ظل ما نشهده عالمياً من تداعيات التغير المناخي التي تؤثر على أنماط سقوط الأمطار، مما يتسبب في فترات أطول من الجفاف وزيادة حدّة الفيضانات.

لقد أصبح العالم يدرك تماماً مدى خطورة التغير المناخي وتداعياته، ولذلك اعتمدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة خلال انعقادها الأخير في نيويورك قراراً بإجماع دولي على إطلاق خطة عمل عالمية من أجل المياه على مدار 10 أعوام تحت شعار «عقد من العمل الدولي: المياه لتنمية مستدامة». وتشمل الخطة تنفيذ برامج وأنشطة تهدف إلى التركيز بشكل أكبر على التنمية المستدامة والإدارة المتكاملة لموارد المياه، وذلك انطلاقاً من حقيقة أن المياه النظيفة والعذبة تعتبر من أهم عوامل التنمية المستدامة وتشكّل عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه لصحة الإنسان ورفاهيته وازدهاره.

وتعد دولة الإمارات واحدة من الدول التي تواجه إشكالية نقص وندرة المياه العذبة بحكم وقوعها ضمن المنطقة المناخية الأعلى حرارة والأقل في منسوب الأمطار عالمياً، حيث لا يتعدى متوسط كمية الأمطار التي تشهدها طول العام 4 بوصات.

وما يفاقم حجم هذه الإشكالية بالنسبة لدولة الإمارات، ما شهده المجتمع المحلي من نمو في عدد السكان خلال العقود الأربعة الماضية من مليون نسمة إلى 9 ملايين نسمة، مصحوباً بمعدلات كبيرة من النمو الاقتصادي والرخاء الاجتماعي، ما خلق زيادة عالية في معدل الطلب على المياه العذبة. وقد أدّت هذه العوامل مجتمعة إلى ارتفاع معدل الاستهلاك الفردي في الإمارات ليصل إلى 350 لتراً ما يتجاوز المتوسط العالمي للاستهلاك.

على الرغم من هذه المعطيات المحلية التي تؤكد احتمالية مواجهة أزمة في المياه العذبة، إلا أن اهتمام القيادة الرشيدة للدولة بهذا الملف الأمني الحساس، وتوجيهاتهم وطبيعة الخطط والمشاريع والمبادرات التي تم تنفيذها والأخرى الجاري العمل عليها، جعل من الإمارات نموذجاً عالمياً رائداً في ابتكار حلول لهذه الإشكالية العالمية.

وتُبرز تصريحات سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، عندما قال «إن المياه أكثر أهمية من النفط بالنسبة لدولة الإمارات»، مستوى الاهتمام الذي توليه القيادة الرشيدة لهذا الملف، حيث أثمر ذلك الاهتمام في تحقيق معادلة نجاح تتطلب التأمل والدراسة وتعزيز قدرة دولة تواجه ندرة الموارد المائية على تحويل ذلك التحدي إلى أمن مائي مستدام ونشر حلول هذا الأمن المستدام على الصعيد العالمي.

وعلاوة على ذلك، نفّذت دولة الإمارات –بفضل توجيهات قيادتها الرشيدة –مجموعة من المبادرات المهمة في مجال ترشيد استهلاك المياه وضمان استدامتها، ومنها إقرار معايير الأبنية الخضراء الإلزامية التي ساهمت في خفض استهلاك المياه في المباني بنسبة تتجاوز 33%.

وتعد مدينة مصدر مثالاً فريداً لمشروع تطوير حضري مستدام ومبتكر يضع ترشيد استهلاك المياه عنصراً رئيسياً له، حيث تم تصميم المباني في المدينة لتستهلك ما يقل عن 54% من المياه مقارنة بمتوسط استهلاك المباني العادية في الدولة، كما يتم توفير 75% من الماء الساخن من خلال ألواح الطاقة الشمسية المثبتة على أسطح المباني، وتم تقليل معدل استخدام مياه الري بنسبة 60% من خلال اعتماد نظام توزيع فعال ومبتكر.

وتمثل مبادرات هيئة كهرباء ومياه دبي مساهمة قوية في مسيرة الحفاظ على المياه العذبة والمحلاة في الدولة، حيث تمكنت خلال الـ 11 عاماً الماضية وعبر توظيف التقنيات الحديثة من توفير 1.4 مليار غالون من المياه من استهلاك المنشآت التعليمية عبر زيادة مستوى الوعي لدى القائمين عليها بأهمية التوفير، واعتمادها لنظام إلكتروني لمراقبة شبكات نقل وتوزيع المياه لضبط نسب البخر والتسرب، وعكوفها حالياً على تطوير هذا النظام للمفهوم الذكي لمزيد من الكفاءة في الأداء، كما تطبق حالياً منظومة التناضح العكسي في عمليات تحلية مياه البحر والتي ستساهم في خفض تكلفة هذه العملية نسبة كبيرة ورفعت من معدل إنتاجيتها وكفاءتها وصداقتها للبيئة.

كما تستثمر الدولة حالياً عبر الاستراتيجية الوطنية للابتكار في الأبحاث والتطوير بهدف خلق حلول جديدة للحفاظ على المياه وضمان استدامتها تحقق إفادة على المستوى المحلي والعالمي في الوقت ذاته، ويعد برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار واحداً من أهم مبادرات الابتكار والتطوير، المعترف بها دولياً وتقدم منحة سنوية تبلغ 5 ملايين دولار أميركي للابتكار في مجال تعزيز الاستمطار ما يسهم في توفير حلول مبتكرة للمناطق التي تعاني من الجفاف مستقبلاً.

وعلى مستوى رفع وعي المستهلكين والمتعاملين مع ملف المياه، حققت الإمارات نجاحات جيدة في هذا المجال، حيث تمكنت وبشكل تدريجي من وقف زراعة عشب «رودس» المحصول العلفي الذي يستهلك كميات كبيرة من المياه.

كما تم تبني آليات زراعة حديثة في مجال زيادة الإنتاجية الزراعية مع تقليل استهلاك المياه مثل آليات الزراعة المائية وفي البيوت المحمية، والري المغطى والتي تساهم جميعها في تحقيق الكفاءة الإنتاجية الزراعية نفسها باستخدام 90% مياه أقل من أساليب الزراعة التقليدية.

إن دولة الإمارات العربية المتحدة، وعبر كل هذه الجهود المبذولة على المستوى المحلي وما يتم بذله على المستوى العالمي من نشر الحلول التي تساعد على تطبيق وتطوير آليات تحافظ على المياه وتضمن استدامتها، تعد من أبرز النماذج العالمية القادرة على تعزيز الجهود الدولية لتنفيذ خطة العمل العالمية من أجل المياه «عقد من العمل الدولي: المياه لتنمية مستدامة»، التي اعتمدتها الأمم المتحدة أخيراً. وكعهدنا الدائم بقيادتنا الرشيدة، فإننا نتطلع إلى ريادة هذه المسيرة أيضاً

من خلال وضع السياسات والحلول المبتكرة للمساهمة في التغلب على التحديات العالمية كافة.

* وزير التغير المناخي والبيئة


للقراءة من المصدر....

الكاتب: د. ثاني بن أحمد الزيودي

المصدر: البيان الاماراتية

2018-03-29



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US