يعتبر الكثير من الناس أن الدين والثقافة هما نفس الشيء على الرغم من الاختلاف الواضح بينهما. فما الفرق بينهما؟، إن سؤالاً بهذا العمق الفلسفي بحاجة إلى الإجابة الدقيقة، إذا أردنا أن نصل إلى مجتمع صحي قادر على القضاء على بذور التطرف داخله من ناحية، وعلى تقبل الآخر مهما كان هذا الآخر من ناحية أخرى. وهذا وبلاشك يقودنا إلى التعريف الدقيق لكل من بعدي هذ المعادلة الفلسفية. وعلى الرغم من تعدد تعريفات الدين والثقافة تبعاً لتعدد زوايا النظر إليهما إلا أننا هنا نعرف الثقافة بأنها "المحصلة النهائية لكل المعتقدات والأفعال لمجتمع من المجتمعات"، مع العلم أن الثقافة في أي مجتمع من المجتمعات ليست متجانسة في أغلب أحوالها بل تنطوي على العديد من الاختلافات، والتي قد تكون بدورها العديد من الثقافات الفرعية داخل هذا المجتمع. أما الدين فنعني به هنا "خطاب يرتبط بما وراء الطبيعة ويهدف إلى الإجابة على علاقة الإنسان بالكون من حوله". وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: أيهما يعتبر البيئة الحاضنة للآخر: الدين أم الثقافة؟، بلاشك أن الثقافة هي البيئة الحاضنة للدين، ولكي ننجح في استعادة الإسلام المعتدل الذي تم اختطافه لفترات طويلة فإننا بحاجة إلى خلق تلك الثقافة المعتدلة القادرة على احتضان هذا الدين. والدليل على ذلك أننا نجد في مجتمع ما العديد من الشرائح الاجتماعية التي تختلف في بعض توجهاتها ولكنها تتبع ثقافة واحدة. وغالب التوجهات التي تختلف عليها تكون توجهات دينية. ومما يميّز الثقافة تركيزها على المجتمع وبالمفهموم السياسي المعاصر (الوطن) أكثر من التركيز على الأمة بمفهومها الديني الروحي. كما تتميز الثقافة بقابليتها للتطور (Progress/Development) والمرونة. ولو نظرنا إلى الدول العربية لوجدنا أن هناك العديد لا أقول من صور الدين الإسلامي، بل من تفسيرات هذا الدين تتراوح بين المعتدلة والمتطرفة، مع أن الدين في كل هذه الدول واحد، إلا أن الفرق يكمن في الثقافة التي وجد فيها هذا الدين. وقد انتبه العديد من فقهاء الأمة الإسلامية إلى تأثير الثقافة في الدين فتباينت أحكامهم حول بعض الموضوعات -تبعاً لتنوع الثقافات- التي كانوا يفتون فيها. بل إن القاعدة الفقهية "الحكم على الشيء فرع من تصوره" تعكس وبوضوح تأثير الثقافة على الدين، كون الثقافة تمثل النطاق الذي تُبنى فيه التصورات المختلفة للأشياء. ولو نظرنا إلى الديانات السماوية الأخرى، ولتكن النصرانية على سبيل المثال لوجدنا هذا الأمر أيضاً. فعندما ذهب بول إلى أهل كورنثية أكد لهم أن الرجل لا يمكن أن يضع شعراً طويلاً بأي حال من الأحوال، ولكنه عندما عاد إلى القدس قال: إن بإمكان الرجل أن يمتلك شعراً طويلاً. ومن هنا يتبين أن الثقافة المعتدلة هي الهدف الأساس إذا أردنا أن نخلق فهماً معتدلاً للدين بعيداً عن التطرف بكافة صوره، وعليه فإن الدور المطلوب من مختلف المؤسسات الثقافية والتربوية كبير لتحقيق هذا الهدف.




للقراءة من المصدر....