أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

الوردي.. والضائع من الأخلاق!

لعله يعتبر من أفضل علماء الاجتماع في العصر الحديث، كتاباته وأبحاثه تشهد له بذلك، فطالما تغلغل الدكتور علي الوردي في أغوار النفس البشرية، وتعمق في تحليلاته عن طبائع المجتمعات، واستخرج كنوزه المعرفية واستنتاجاته الرائعة، ولنا في كتبه «مهزلة العقل البشري» و«وعاظ السلاطين» وغيرهما خير دليل على ذلك. ويبدو أنه ما زال في جعبته الكثير رغم وفاته قبل عشرين سنة ونيف، فلقد قدم بحوثاً عدة لهيئات وجامعات متنوعة، يتم اكتشافها تباعاً، بعد أن كادت تذهب أدراج الرياح، وقد كان هذا البحث الرائع عن «الضائع من الموارد الأخلاقية»، الذي تناول فيه دراسة أخلاق المجتمع العربي.
ولعله اختصر ما أراد قوله في بحثه، وأوجز ذلك في الفقرة الأخيرة، عندما قال: «إننا لا نستطيع إصلاح أخلاق الناس عن طريق المواعظ والنصائح على منوال ما كان يفعله القدماء، فالأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية التي تحيط بها، وما لم تتغير تلك الظروف، فإننا لا نأمل أن تتغير الأخلاق كما نهوى»، وضرب مثلاً لإحدى القرى، وكيف أن الفلاحين الذين يملكون الأرض ويستغلونها لأنفسهم، يتصف أهلها بعزة النفس وكرم الأخلاق وصدق المعاملة، إضافة إلى النشاط والمثابرة والطموح، أما سكان القرى المجاورة، الذين كانوا يعيشون تحت نظام الإقطاع، والذين لا يختلفون في دينهم أو علمهم أو جنسهم عن أهل تلك القرية، فأخلاقهم تناقض تلك التي ذكرت تمامًا.
ما أعجبني في بحثه هذا، إسقاطاته على أخلاق الفرد في المجتمع الكويتي (لم يذكره بالاسم)، الذي لا يختلف كثيرًا عن أي من المجتمعات العربية، التي تناولها الدكتور الوردي، فنحن وعلى الرغم من «أكيال» المواعظ الدينية التي أتحفنا بها مشايخ الدين، وبالأخص منذ بداية الصحوة الدينية قبل نحو أربعين عاماً، التي لم تخلُ بالطبع من النصائح الأخلاقية الراقية والمعاملات الإنسانية الرفيعة، التي يحثنا عليها ديننا الإسلامي، فإننا في واقع الحال نجد استشراء المحسوبية والواسطة بشكل كبير، بل وبتزايد سنة بعد أخرى، ومن منا لم يحذُ يوماً هذا المسلك، سواء أكان رئيسًا ام مرؤوسًا، وهو بلا أدنى شك سلب لحقوق أناس مستحقين، وأضف الى ذلك الفساد بجميع أشكاله، الذي يزداد بدليل مؤشرات الفساد العالمية في معظم إدارات الدولة، هذا على الرغم من تزايد أعداد المساجد والبرامج الدينية والتوعوية الملأى بالمواعظ التي تنهى عن ذلك، لكنها للاسف تذهب أدراج الرياح تحت تبريرات وحجج واهية ما أنزل الله بها من سلطان.
وكذا عند انتخاب المرشحين لعضوية مجالس الأمة والبلدي وغيرها، فعلى الرغم من النصائح والمواعظ المتكررة باختيار الأنسب والأصلح لرفعة شأن الوطن، فإننا نصطدم بالواقع المرير، حيث يتم اختيار ابن القبيلة أو الطائفة أو العائلة أو «مخلّص معاملات»، حتى وإن عرف هذا المرشح بتجاوزاته ومساهماته «الجليلة» في انتشار الفساد، وليس أخطر وأوقع ألماً ممن يشرع قانونًا ثم يخرقه بنفسه، ولنا في تجريم الانتخابات الفرعية خير شاهد.
وكذلك النظرة الدونية إلى المرأة، حيث يعتبرها الكثيرون إنساناً «نصف عاقل»، وذلك بلا شك نتاج العرف المجتمعي، وليس الموروث الديني، حيث تزخر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بضرورة تقدير المرأة واحترامها، اقول على الرغم من ذلك لا يزال بين ظهرانينا من له هذه النظرة السطحية للمرأة، وهذا نابع من التقاليد والموروثات المتهالكة.
باعتقادي أنه لا أمل يرجى كثيرًا من زيادة مكيال المواعظ والنصائح لتغيير الموروثات والأعراف المجتمعية البالية، وكذا المستحدثات المدمر أثرها على المجتمع، فالأخلاق وليدة الظروف الاجتماعية والمسؤولية تقع، وكما أقرها الوردي في بحثه، على عاتق الحكومة، حيث يقول إنها «تستطيع أن تضع الخطة الرصينة التي تجعل الناس ينسون تراثهم (غير الصالح)، وينهمكون في اقتباس القيم الجديدة التي تقوم عليها الحضارة العالمية»، وذلك عندنا رجع بعيد.

gm@oic-kw.com
ftaleb@


للقراءة من المصدر....

الكاتب: فاضل الطالب

المصدر: القبس الكويتية

2018-03-25



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US