أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

خيارات يمنية دونها خرط القتاد

سألني أحدهم إن كنت مع الوحدة اليمنية بمضمونها العام ؟ وما المخرج من الحالة القائمة التي أفْضت إلى اللا دولة؟ وهل هنالك سيناريو افتراضي يمكن أن يكون سبباً مقبولاً للخروج من الأزمة ؟وهنا أود الإشارة بداية إلى أن الله خلق الكون والوجود على قاعدة الوحدة والتنوع، وإذا أخذنا عوالم البشر على سبيل المثال، سنجد أن المُتَّحد الجمعي لم يستق وجوده الموضوعي من تكوينهم الواحد، من حيث التشريح الجسدي، والوظائف العضوية، وقابليات العقل والروح.. لكن هذه الوحدة ليست إلاّ وجهاً يوازيها الوجه المقابل الذي يتلخَّص في التنوّع اللا متناهي، من حيث الصلة بالبيئة المحيطة، والتكوين الثقافي الأنثربولوجي الموروث من التاريخ، والميزات النسبية الناجمة عن ثقافة العمل، والصلات الاجتماعية النوعية، بحسب خصيصة كل شعب.هذا القانون الكُلِّي الناظم للوحدة والتنوع البشري يقابله نفس الحقيقة الوجودية المرتبطة بتنظيم الدول ومأسسة الحياة، والأصل في تطور هذا التنظيم، الرفض للإلغاء والوحشية والاستباحة، وهو أمرٌ يكمن في الدولة الحديثة اللا مركزية الاتحادية سواء كانت فدرالية أو كونفدرالية، بوصفها الدولة القادرة على تحقيق المواطنة كرافعة للهوية، والمشاركة كوسيلة للتنمية، والقانون كحكم عدل بين الجميع. والبديل لمثل هذه الدولة يكمن في دولة ما قبل العصر.. دولة ما قبل العقد الاجتماعي الرشيد.مهَّد المفكر الفرنسي «جان جاك روسو» لنظرية العقد الاجتماعي التي تسمح لشركاء الوطن بالاتفاق على القوانين الوضْعية الناظمة لمُتَّحدهم الاختياري التعددي، سواء كان فدرالياً أو كونفدرالياً، وإذا ما تجولنا في كامل الجغرافيا السياسية الإنسانية المعاصرة سنكتشف دون أدنى شك أن الدول المزدهرة المتطورة أخذت بالنموذج الاتحادي المتناسب مع خصوصيات تلك البلدان، وبالمقابل سنجد أن دول الخيبات والصراعات والفقر والموت تتجه نحو نموذج الدولة المركزية الجبائية الفاشلة، ومن المرعب حقاً أن يكون جُل العرب في مقدمة ركب الفناء والتقاتل العدمي والتعصب، من خلال نماذجهم الماثلة، ومنها النموذج اليمني الموروث عن نظام الجمهورية العربية اليمنية ما بعد وحدة مايو الدموية.في الحالة اليمنية يكمن المخرج في التوافق على صيغة مستقبلية تسمح بعبقرية التنوع اللا متناهي، وهذا لا يشمل شمال وجنوب اليمن الموروثين من نظامي عدن وصنعاء فحسب، بل كامل الأقاليم التاريخية التي تقدم في مِثالها التاريخي الإكسير السحري لأفضليات التنوع وعبقريته.للعقول والقلوب أن تنفتح على كامل الخيارات الرشيدة والمتاحة، وهذا يتجاوز اليمن الجغرافي الموروث، إلى عموم المنطقة العربية، ولنا العبرة كل العبرة في النماذج الهندية والروسية والأمريكية التي حققت مُتَّحداً جمْعِياً أساسه المواطنة القانونية، ومداه التفاعل البناء بين الثقافات والأنساق، وجوهره الدولة الاتحادية العصرية ذات السمات الخاصة بكل طرف.من الطبيعي أن النماذج سابقة الذكر، قد لا تنطبق بتفاصيلها على الحالة اليمنية الافتراضية للمستقبل، لكنها تحمل بالتأكيد ملامح قواسم مشتركة ناجمة عن الحلول العاقلة التي توصلت إليها شعوب الأرض بعد تحارب وصراعات عدمية مريرة.بعد سنوات من حروب وانتهاكات وانتفاضات، تداعى فرقاء الساحة لمؤتمر الحوار الوطني بحثاً عن طوق نجاة، وكان خيار الدولة الاتحادية متعددة الأقاليم خياراً دونه الرفض المبطن لمن تآلفوا مع المركزية الاستباحية لمقدرات الوطن، واستمرأوا حالة البؤس والإقامة غير المشروعة في ثقافة النهب والسلب وانتهاك نواميس الدولة، وصولاً إلى تمهيد الدرب للسّلاليين الطائفيين الذين تمكنوا بفضل ذلك الدعم من اختطاف الدولة برمتها. الآن وبعد كل ما حدث، يتوقف أي مراقب حصيف أمام سلسلة من الخيارات والاحتمالات، وفي تقديري أن كل خيار منها يحمل وجهاً من وجوه المنطق والقبول قياساً بالماضي.. لكن تلك الخيارات إما أن تكون متعارضة مع قوانين التاريخ ونواميسه، وإما أن تكون مُتَّسقة معه، وهذا هو المعيار الفاصل بين المستويين.الخيار القائل بدولة اتحادية لا مركزية متعددة الأقاليم، قد يفشل إذا ما استمرت الأزمة الماثلة، وحينها سيكون الخيار الاتحادي من إقليمين شمالي وجنوبي أقرب إلى التحقق.خيار تقرير المصير في الجنوب، على قاعدة استعادة دولة ما قبل مايو 1990م، سيكون تحصيل حاصل، بقدر استمرار فشل الإدارة السياسية والميدانية للشرعية، ومقابلها المتمرد الانقلابي في صنعاء.خيار كيانين اتحاديين في دولتين متجاورتين في الشمال والجنوب سيصبح نهاية المطاف التي سترسي عليه الوقائع بقدر استمرار الأزمة وتعنّت المقيمين في الماضي.لكن هذه البدائل الافتراضية دونها خرط القتاد، فالحرب في اليمن قد تنتقل إلى مستويات جديدة من تدوير وإعادة تدوير التحديات الإقليمية التي صنعتها مؤسسة الحكم الديني الأيديولوجي في طهران، وثنائية التقاتل الداخلي بين الشرعية والتمرد قد تتشظَّى لمستويات جديدة. omaraziz105@gmail.com

للقراءة من المصدر....

الكاتب: د. عمر عبدالعزيز

المصدر: الخليج الاماراتية

2017-11-05



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US