أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

الدولة العربية بين المركزية والفيدرالية

تفرض علينا التحديات التي تواجهها الدولة العربية في المرحلة الراهنة، إعادة طرح الأسئلة المرتبطة بالاختيار ما بين النموذجين المركزي والفيدرالي، في ما يتعلق بتسيير الشأن العام في سياق محيط إقليمي ودولي بالغ الصعوبة، لاسيما بعد الضعف الذي بدأ يصيب الدول القومية في أوروبا نتيجة لتزايد الدعوات الانفصالية في دول عريقة مثل بريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وإيطاليا. وتطرح هذه الأسئلة نفسها بشكل أكثر حدة بالنسبة للدول العربية، التي حباها الله بجغرافية واسعة وبتركيبة سكانية غنية من حيث تعددها العرقي والمذهبي والديني، فضلاً عن التنوع الثقافي الناجم عن الاختلافات القبلية والمناطقية، وقد شكلت كل تلك المكونات الفسيفسائية منطلقاً لبروز صراعات ما بين المجموعات السكانية، تختلف حدتها من دولة عربية إلى أخرى، بشأن رسم السياسات الوطنية ذات التأثير المباشر في برامج التنمية المحلية، وعلى التقسيم العادل للثروة بين مختلف المناطق داخل الدولة الواحدة. عودة هذه الأسئلة لا يتصل بوجود وضع جيوسياسي عربي ملائم يسمح بإجراء مفاضلة بين النموذجين، وبخاصة بعد أن أضحينا مقتنعين أن لكل واحد منهما مزاياه وعيوبه، ولكنه يعبّر عن انتشار حالة غير مسبوقة من القلق الوجودي لدى بعض الدول العربية، في ما يتعلق باختيار الحلول الملائمة القادرة على ترسيخ وحدة الدولة وسيادتها من جهة، وعلى الاستجابة لتطلعات الأقاليم التي بدأ بعضها يتخلى عن ولائه لمؤسسات الدولة المركزية، من جهة أخرى. ويمكن القول إن التطورات المأساوية التي صاحبت تجربة الاستفتاء في إقليم كردستان العراقي، والتي تزامنت مع المخاطر التي تواجهها الدولة القومية في إسبانيا بسبب إصرار قسم كبير من سكان مقاطعة كاتالونيا على الانفصال؛ تمثل في مجملها عوامل تفاقم من هذا القلق الوجودي، ولا تشجع أغلب الدول العربية على اعتماد إصلاحات كبيرة تستند إلى اللامركزية في تسيير شؤون المحافظات، لاسيما في الدول التي تتجاوز فيها مساحة كل إقليم، جغرافية دول عربية بأكملها. في سياق هذه المقاربة السريعة، إن الوضع الراهن لعلاقة الدولة المركزية بأطرافها على مستوى حواضرها الكبرى، والذي تميّزه حالة مزمنة من انعدام الثقة، تصل أحياناً إلى مستويات حادة من الصراع والمواجهة ومن الاستقطاب العرقي والمذهبي، مردّه إلى ثلاثة أسباب رئيسة: يتعلق الأول منها، بالهيمنة شبه المطلقة لمؤسسات الدولة المركزية على مصادر القرار، مع غياب استراتيجية واضحة المعالم تتعلق بالتداول السلمي على السلطة، وتفشي سلوكيات الفساد والمحسوبية على مستوى تسيير الشأن المحلي، فضلاً عن ضعف الكفاءة والخبرة الضروريتين من أجل مواجهة المشاكل والصعوبات المستجدة. ويرتبط السبب الثاني، بتنامي النزعة الانعزالية الرافضة لسلطة الدولة المركزية لدى الأقاليم التي لديها خصوصيات عرقية ومذهبية ولغوية أو مناطقية، وهي نزعة تصل أحياناً إلى حد رفض عناصر الهوية المشتركة للدولة الوطنية، مثلما هو الحال عليه في بعض المناطق الناطقة بالأمازيغية في دول المغرب العربي، ولدى بعض الأوساط الكردية في العراق وسوريا. أما السبب الثالث والأخير، فإنه يرتبط بشكل وثيق، بسياسات العولمة التي أسهمت بقسط وافر في إضعاف سلطة الدول القومية، وعملت على تشجيع الكيانات الصغرى التي تتيح مجالاً أكبر لقوى العولمة، من أجل بسط هيمنتها وللتغلب على القيود التي تضعها الدول القومية المهتمة بالدفاع عن مبدأ السيادة الوطنية، الذي يمثل إحدى الركائز القانونية المهمة المصاحبة لهوية الدولة الحديثة. وعليه فإنه وبصرف النظر عن سلبيات الدولة المركزية، فإن الدولة العربية الحديثة والمعاصرة استطاعت أن تصمد لعقود من الزمن، وفقاً لعقيدة تقترب إلى حد بعيد من تصورات الدولة «اليعقوبية» في فرنسا، التي استندت إلى تسيير إداري مركزي قوي ومتماسك بقيادة نخبة تكنوقراطية وضعت على رأس أولوياتها تشكيل أمة موحدة، وكانت الدولة العربية الحديثة منذ تأسيسها في مصر مع محمد علي باشا، شبيهة- من حيث جوهرها - بهذا النموذج الفرنسي، ومن نماذج الدول السلافية والدول الأوروبية الخاضعة لمنظومة التشريع اللاتيني التي تربطها صلة قوية بالحضارة المتوسطية. يمكننا أن نخلص في الأخير إلى أن الدولة المركزية التي مازالت تمثل حتى الآن، الخيار العملي الأكثر انسجاما مع الواقع العربي على المدى المنظور، مطالبة بإعطاء المحافظات هامشاً واسعاً من الديمقراطية المباشرة، التي تسمح لها بممارسة صلاحيات حقيقية في مجالي الإدارة والتسيير من أجل الاستجابة لهموم المواطنين؛ لأن تجربة الدولة الفيدرالية في الوطن العربي، وباستثناء الحالة الإماراتية الفريدة والرائدة، لا تملك في تقديرنا - حتى الآن- مقومات النجاح، نتيجة لغياب ثقافة الدولة لدى النخب السياسية، المدافعة عن الخصوصيات العرقية واللسانية والمذهبية، والمتنكّرة لفلسفة العقد الاجتماعي، ولكل القواعد الدستورية التي بنيت عليها الدولة الفيدرالية في الغرب. hzaoui63@yahoo.fr

للقراءة من المصدر....

الكاتب: الحسين الزاوي

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-02-10



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US