أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

المظلوميات البديلة تهدد إيران

كانت، وما زالت، «المظلومية الشيعية» واحدة من أهم المفاهيم المحورية المحركة لاندفاعة الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 والداعمة لاستمرارية النظام الحاكم وتثبيت شرعيته. كان الحديث عن هذه المظلومية مفتعلاً في الداخل الإيراني، لأن أغلبية الشعب في إيران هم من المسلمين الشيعة، وكانت السلطة والثروة مركزة بشكل يكاد يكون مطلقاً في يد قوى سياسية واقتصادية شيعية، ومن ثم فإن مظالم نظام حكم الشاه قبل الثورة كانت مظالم لها طابعها الوطني العام، أي مظالم يعانيها أغلبية الشعب الإيراني، ولم يكن للطائفية وقتها أي دور، لكن مفهوم «المظلومية الشيعية» كان من أهم أدوات الثورة الإيرانية للتمدد نحو الخارج. فتصدير الثورة إلى الدول المجاورة وإلى معظم بلاد العالم الإسلامي ارتكزت على قاعدة «المظلومية الشيعية» التي تقول إن أهل الشيعة يعيشون الاضطهاد ويعانون التمييز ضدهم على مدار التاريخ الإسلامي، وكانت مثل هذه المفاهيم تستخدم أدوات لتحريك الأقليات الشيعية في الدول المجاورة للانتفاض على دولها. الآن يشرب النظام الإيراني الحاكم من ذات الكأس، فالسياسات الخاطئة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن سوء إدارة السياسة الخارجية والاندفاع المحموم لتمديد النفوذ في الخارج أدت إلى تحريك مظالم العديد من القوميات والشعوب الإيرانية التي تعاني مظلوميات التمييز والتهميش تحت حكم الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى مظلوميات أخرى طبقية تعانيها الطبقات والفئات المحرومة في ظل استشراء الفساد والمحسوبية وغياب الرقابة الفعالة. مظلوميات قومية وأخرى طائفية وطبقية تجمعت كلها الآن وهي التي تدفع كل هذه الشعوب والطبقات للاصطدام مع النظام بانتفاضتها التي تفجّرت على مدى أيام الأسبوع المنصرم.خطورة هذه المظالم أنها بدأت اقتصادية- اجتماعية بسبب سوء تردي الأوضاع المعيشية وانتشار الفساد الإداري والاقتصادي، لكنها في طريقها لأن تتحوّل إلى مظالم عرقية وطائفية لدى الشعوب الإيرانية غير الفارسية، والتي تقع، لسوء حظ النظام، على محيط الدولة الإيرانية، بعيداً عن مركزها الفارسي في طهران. فالأقلية الأذارية تقع في شمالي البلاد على الحدود مع جمهورية أذربيجان، والأقلية الكردية تقع في الشمال الغربي للبلاد على الحدود مع أكراد تركيا وأكراد العراق، والأقلية العربية في الأحواز تقع في جنوبي البلاد بالقرب من الجوار العربي العراقي والكويت وعلى الشاطئ المقابل للبحرين وقطر والسعودية والإمارات، والأقلية البلوشية تقع في الجنوب الشرقي على الحدود مع بلوش باكستان، ويقع إقليم خراسان وبه أقلية سُنّية، كما هو حال إقليم الأحواز وإقليم كردستان إيران وهو على تماس مع أفغانستان وقريب من جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية. فقد انطلقت الاحتجاجات من مدينة «مشهد»، حيث مرقد الإمام علي الرضا (الإمام الثامن ضمن الأئمة الاثني عشر للشيعة الاثني عشرية)، وهو الإمام الوحيد ضمن هؤلاء الأئمة الذي يقع مرقده في إيران). ومشهد هي من أهم المدن الإيرانية بسبب وجود مرقد الإمام الرضا الذي حوّلها إلى مزار شيعي أو أهم المزارات الدينية في إيران، ومن ثم تحوّلت إلى أهم المدن السياحية من منظور السياحة الدينية، وهي تقع في قلب إقليم خراسان القريب من أفغانستان ودول آسيا الوسطى الإسلامية. ويرجع سبب تفجر الانتفاضة من مشهد إلى تعرض 160 ألف عائلة مشهدية لخسارة أموالها في «مشروع سانديز» السكني. وكان هذا المشروع أكبر عملية نصب واحتيال تورط فيها عدد من كبار المسؤولين البارزين الذين لم تتم محاسبتهم. كما أن أكثر البنوك التي أعلنت إفلاسها هي من مدينة مشهد، والكارثة أن الحكومة تجاهلت هذه القضية، وضربت عرض الحائط بالكوارث التي أصابت أصحاب الودائع في هذه البنوك. يضاف إلى ذلك أنه بسبب سوء العلاقات الإيرانية مع دول الخليج المجاورة وتوقف الرحلات الجوية الخليجية إلى إيران تراجعت السياحة الدينية في مشهد، ما أدى إلى خسارة أهالي مدينة مشهد آلاف فرص العمل، وأغلقت العديد من المحال التجارية أبوابها التي كانت تعتمد على الزوار الشيعة الخليجيين. انفجار الاحتجاج من مشهد وبشكل عفوي، ومن جانب عامة الشعب غير المنتمين لأي من الأحزاب وغير المصنفين ضمن التيار المحافظ أو التيار الإصلاحي أدى إلى امتدادها إلى باقي المحافظات، هذا الانتشار امتد إلى المحافظات الحدودية ذات الأقليات العرقية غير الفارسية التي تعاني مظالم التمييز العرقي من مجامع مظالم التمييز الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهذا هو مصدر الخطر الكبير لهذه الجولة من الاحتجاجات التي يرجح أن تتحوّل إلى انتفاضة شديدة الخطورة على استقرار النظام، لأنها بهذا التكوين تعتبر «عصيّة على الاحتواء والقمع». الانتفاضة التي تجتاح إيران ليست مثل انتفاضة الثورة الخضراء عام 2009 التي كانت انتفاضة التيار الإصلاحي وجماهيرها كانت الطبقة الوسطى وكانت متمركزة في طهران، ومن ثم كان من السهل احتواؤها. الانتفاضة الحالية هي انتفاضة الشعب الفقير، وهي تنتشر بعيداً عن طهران ويمكن أن تتحوّل إلى انتفاضة من أجل تغيير النظام وليس الحكومة، ومراجعة الدستور إذا ما أصبحت مطالب الانفصال مفروضة على أجندة المطالب التي لن يستطيع النظام الإيراني تجاهلها أو التعامل معها، ومن هنا يكمن خطرها، أنها قد تفرض إجراء مراجعات جذرية، وليس هامشية، في بنية النظام وتغيير سياساته، في حال نجاح النظام في احتوائها، أما إذا عجز عن هذا الاحتواء، فالاحتمالات ستكون حتماً مفتوحة على خيارات أخرى. msiidries@gmail.com

للقراءة من المصدر....

الكاتب: د. محمد السعيد إدريس

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-01-05



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US