أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

طهران بين الداخل والخارج

شيّع الإيرانيون عام 2017 بتحركات احتجاجية جريئة ترددت أصداؤها في أنحاء العالم، فيما لم يبدر عن السلطات هناك أية إشارة على استعدادها لمراجعة سياساتها التي أدت إلى إفقار الملايين، وإلى إزهاق أرواح الآلاف في صراعات خارج الحدود. ومنذ ثلاثة عقود على الأقل تشهد مدن إيران احتجاجات دورية، لا يستخلص المسؤولون منها سوى الحاجة إلى تطوير أدوات القمع، وإلى شحذ آلة الدعاية بالمزيد من بروباغندا المؤامرة والمتآمرين. وبينما تسعى أنظمة العالم المتقدمة إلى الاستقواء بالتمثيل الشعبي، وإطلاق طاقات الشعب، فإن الحكم في إيران درج على المزيد من العسكرة واحتكار السلطة والاستخفاف بآراء الناس على أقل تقدير وتجريمها في أغلب الأحوال. وخلال السنوات القليلة الماضية ظهرت أصوات حتى من داخل النظام تنعى حجم الفساد وتمركز السلطة مثل مواقف الراحل آية الله رفسنجاني، والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد والرئيس الأسبق محمد خاتمي وغيرهم ممن خبروا السلطة في أرفع المواقع ووقفوا على آليات الحكم. وبينما كان يُفترض أن تؤدي مواقف هؤلاء إلى فتح الأعين على الأعطاب البنيوية في هيكلية الحكم وطريقة إدارته، إلا أن النتيجة الفعلية كانت التضييق على هؤلاء ورميهم بأشنع الاتهامات، مع التوجه إلى مزيد من احتكار السلطة، حتى أصبحت التقارير تتوافد تباعاً عن تزايد نسب البطالة والفقر وما هو تحت خط الفقر، وذلك جنباً إلى جنب مع استعراضات عسكرية لا تنتهي، وانغماس متزايد في صراعات خارجية، مع تضخم النزعة التدخلية في شؤون الدول والمجتمعات الأخرى، وهو ما ظلت تؤاخذ به الدعاية الرسمية «دول الاستكبار»، فإذا بأصحاب هذه المقولة ينتهجون النهج ذاته، بغير اكتراث يذكر لحقوق الشعوب الأخرى ولسيادة الدول ولأحكام العلاقات الدولية (بين الدول). ولعل إيران تمثل النموذج الأكثر سطوعاً على الترابط بين السياستين الخارجية والداخلية، وحيث تؤدي هذه السياسات إلى سلسلة أزمات مستعصية في الداخل ومتفاقمة في الخارج. فالسلطات ترصد ميزانيات هائلة لجملة التدخلات في الخارج، وتخصص ميزانيات مماثلة للتسليح والتصنيع الحربي في الداخل، وكل ذلك على حساب البناء والتنمية، وهو ما يفسر أن جملة الأخبار والتقارير في هذا البلد لا تتحدث إلا عن تصريحات رؤساء الحرس الثوري أو وصف الأسلحة الجديدة التي تم تصنيعها، أو وصف المظاهر والاستعراضات العسكرية، أو تراشق الاتهامات بين المرشحين لانتخابات مقيدة، أو الحديث عن حالات الإعدام الجماعية، وتفشي آفة المخدرات، فيما تغيب أخبار البناء والتطوير في مختلف المناطق، وتحل محلها أخبار التلوث الذي يصل إلى معدلات قياسية. لقد توفر النظام على خبرات كبيرة في قمع المحتجين وقبل ذلك في التنكيل بالمعارضين حتى لو كانت معارضتهم من داخل النظام وتحت سقفه، من دون أن يتوفر في الوقت نفسه على أية خبرات في تنمية البلد وتطويره، وتوفير فرص العيش والعمل لملايين المتعطلين، بينما تتمتع نخبة الحكم برغد العيش بغير مساءلة، وهو ما يفسر ثورة الجوع التي اكتسحت شوارع مشهد وقم ونيشابور والأحواز وشيراز وشاهبور وأصفهان وكرمنشاه ومدن أخرى، وحيث اختلطت شعارات الاحتجاج المطلبي بشعارات سياسية مناوئة شملت رموز الحكم. وقد تستمر هذه الموجة أو تنقطع تحت وطأة التنكيل والاعتقالات، غير أن الذي يبقى ماثلاً هو اتساع الشقة بين الحاكمين والمحكومين، وانسداد قنوات التواصل في ما بينهم، واكتظاظ السجون بالمحتجين، وبقاء الأزمة الاجتماعية والاقتصادية على حالها على قاعدة إنكار وجودها وطمس أسبابها، مع إغلاق المئات من المصانع والمنشآت الاقتصادية نتيجة الاستخفاف بموجبات التنمية في بلد يندرج على قائمة الدول النفطية الغنية، فيما يعيش نحو ثلث شعبه حول خط الفقر أو دونه. لقد كان من المؤمل أن تجنح طهران إلى بعض الاعتدال في السنوات الخمس الأخيرة مع وصول مرشح غير متشدد إلى سدّة الرئاسة، غير أن مجريات الأمور أثبتت أن لا شيء يتغير، وأن السلطة كانت وما زالت متمركزة في مكان آخر، وأن الطابع الإيديولوجي المتشدد للحكم يطبع بطابعه أداء مختلف الإدارات والمؤسسات، وأن هذا الحكم قد حكم على نفسه بالسير في اتجاه واحد نحو المزيد من التشدد والانغلاق، والاحتجاجات الدورية هي أحد الشواهد على عقم هذه السياسة، وعلى انعكاساتها الكارثية على حياة الناس، وعلى الحال الأقرب إلى العزلة التي يعيشها هذا البلد منذ عقود، وسط بيئة إقليمية تنظر إليه بقدر ملحوظ من التوجس والريبة، بعد محاولات لا تحصى معه لإظهار سياسة حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية بغير أن تلقى هذه الدعوات استجابة تذكر. عسى أن يدرك النظام الإيراني ولو لمرة واحدة وفي ضوء الاحتجاجات الشعية الواسعة أن هذا الخيار التدخلي لا يلقى قبولاً داخلياً، علاوة على كونه مرفوضاً في الخارج. mdrimawi@yahoo.com

للقراءة من المصدر....

الكاتب: محمود الريماوي

المصدر: الخليج الاماراتية

2018-01-01



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US