أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

استراتيجية ترامب.. عودة إلى منطق القوة

جاء الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم، وهو معبأ بفكرة أن الولايات المتحدة قوة عظمى وحيدة، ويجب أن تبقى كذلك، وألقى منذ ترشحه لمنصب الرئاسة بالمسؤولية عن حالة الضعف، التي تنتاب جسد الأمة الأمريكية، إلى الرؤساء والمسؤولين السابقين، الذين لم يُقدِروا مكانة دولتهم، فتراجعت هيبتها. ومنذ أن تسلم الحكم في مطلع يناير/‏كانون الثاني 2017، اتخذ قرارات عدة تعكس النهج الجديد، فقد منع مواطني سبع دول من دخول أراضي الولايات المتحدة، كما قرر بناء سور على الحدود مع المكسيك؛ لإيقاف الهجرة غير الشرعية من دول أمريكا اللاتينية، وقرر الانسحاب من «اتفاقية باريس للمناخ»؛ بدعوى أن الاحتباس الحراري هو خدعة تروجها الصين؛ بهدف التأثير على الاقتصاد الأمريكي، كما أعلن صراحة، أنه يريد أن يدافع عن الحلفاء، مقابل دفعهم بدلاً مالياً، وطلب من الشركاء الأطلسيين زيادة مساهماتهم المالية في حلف الأطلسي؛ لتخفيف الأعباء عن بلاده. ورفع صوته وحرك آلته العسكرية تجاه كوريا الشمالية وإيران، بوصفهما دولتين مارقتين ينبغي وضع حد لهما.وفي سياق التصعيد والسير في نهج التحدي، فقد أعلن ترامب في 18 ديسمبر/‏كانون الأول 2017، عن استراتيجيته للأمن القومي الأمريكي للأعوام الأربعة المقبلة. والتي رسم فيها معالم تفوق وتفرد الولايات المتحدة، وتعزيز قوتها العسكرية والاقتصادية في مواجهة كافة دول العالم، وبصفة خاصة روسيا الصين. وقال ترامب: «نحن منخرطون في فترة تشهد تنافساً، ونواجه أنظمة تهدد الولايات المتحدة وجماعات إرهابية وشبكات إجرامية وقوى مثل روسيا والصين، وسنستمر في التعامل بما يحمي مصالحنا القومية». وقال: «إن العالم يدرك -الآن- أن أمريكا ستعود قوية؛ حيث ستصل ميزانية الدفاع العسكري إلى 700 مليار دولار، مشيراً إلى أن ذلك سيؤدّي إلى سلام طويل». وتقع الاستراتيجية الأمنية في أربعة أقسام: أولاً، حماية الولايات المتحدة وشعبها. ثانياً، تعزيز ازدهارها. ثالثاً، ضمان «السلام من خلال القوة». رابعاً، تعزيز النفوذ الأمريكي. ولم يتأخر رد الصين وروسيا على هذه الاستراتيجية، فقد نددت الصين بها، ودعت الولايات المتحدة إلى التخلي عن المفاهيم العتيقة مثل عقلية الحرب الباردة؛ لأنها بذلك تضر نفسها والآخرين. أما روسيا فقد رفضت هذه الاستراتيجية. الواقع أن تراجع الولايات المتحدة في العالم لم يكن، كما يزعم ترامب، بسبب سياسات الإدارات الأمريكية السابقة؛ بل هو نتيجة حتمية لتراجع الاقتصاد الأمريكي، فهذا الاقتصاد الذي قاد الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بات مثقلاً بديون هائلة ولا يمكن علاجه. وعوضاً عن أن تجتهد الإدارة الأمريكية في وضع الحلول الناجعة لمعالجة هذه المشكلة، التي تنذر بحدوث كارثة ستجعل الأمريكيين كلهم فقراء ومعوزين، فإنها رفعت صوتها، وقررت مواجهة قوى عالمية ناشئة لديها وفورات مالية هائلة وقدرات بشرية ضخمة. وقد أثبتت التجارب الراهنة في العالم، أن القوة العسكرية لا تكفي لوحدها لحسم الصراعات، فمثلاً كسبت الولايات المتحدة الحرب على الاتحاد السوفييتي السابق بالقوة الاقتصادية، وليس بالقوة العسكرية، وقد سقط ذلك الاتحاد وهو يملك ترسانة عسكرية أضخم من تلك التي تملكها الدولة، التي انتصرت عليه. ولم تنفعه كل قوته في الانتصار على خصمه. وتعد الصين اليوم أكبر دائني الخزانة الأمريكية؛ حيث بلغ إجمالي حيازتها (1.1465) تريليون دولار أمريكي، وفقاً لما أظهرته أحدث البيانات من وزارة الخزانة الأمريكية في أغسطس/‏آب 2017، وإذا كانت الولايات المتحدة مدينة بكل هذا المبلغ للصين، فكيف يمكنها أن تواجهها عسكرياً؟. إن العودة إلى الماضي، لا تتم إلا من خلال الأحلام؛ لأن الزمن يتقدم دائماً نحو المستقبل، وتستطيع الإدارة الأمريكية الحالية، أن تحلم بالعصر الألفي الأمريكي السعيد؛ لكنها عندما تستيقظ ستدرك أن ما رأته ليس سوى حلم سرعان ما يتلاشى؛ ولذلك فهذه الإدارة التي تحلم بعودة القطبية الأحادية إلى العالم لن تنجح في تحقيق حلمها، وحتى لو قررت إشعال حرب شاملة، فإنها ستنجح فقط في تحقيق دمار متبادل لها ولخصومها على السواء، فإذا كان لديها صواريخ نووية عابرة، فلدى خصومها أسلحة مشابهة، فكيف يمكنها إذن تحقيق النصر على الأعداء. إن الإذعان لفكرة عالم متعدد الأقطاب هو السبيل الوحيد، الذي قد يقي الولايات المتحدة من السقوط؛ لأنها إذا أصرت على مبدأ الأُحادية، فإن خصومها، وعلى رأسهم الصين، سيعملون على تدميرها اقتصادياً، وهم يملكون الأدوات القادرة على تحويل ذلك إلى حقيقة. med_khalifaa@hotmail.com

للقراءة من المصدر....

الكاتب: محمد خليفة

المصدر: الخليج الاماراتية

2017-12-24



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US