أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

دوافع قرار ترامب تجاه القدس

بعد موجة غضب واحتجاجات عارمة اندلعت على نطاق واسع إثر اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس كعاصمة للدولة العبرية، اضطر وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى التصريح بالقول إن الوضع النهائي للقدس سيُترك للتفاوض بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كما جدد التأكيد على أن نقل السفارة الأميركية لدى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس لن يتم قبل ثلاثة أعوام "وفقا لأفضل الاحتمالات" حسب تعبيره. وبعيداً عن التطمينات المتأخرة، يمكن القول إن ترامب قد حقق هدفه من وراء إشهار قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس. فمن دون أي مراعاة لمشاعر المسلمين وعاطفتهم الروحية تجاه مدينة القدس، أراد ترامب أن ينشغل الإعلام الدولي بالتداعيات والتظاهرات والتحليلات الرافضة لقراره بخصوص القدس. وبالرغم من الالتزام الثابت لدى كل الإدارات الأميركية السابقة بدعم وحماية أمن إسرائيل، إلا أن قرار ترامب كان معنياً بدرجة أساسية بتخفيف الضغوط التي يواجهها هو شخصياً، فلجأ إلى حيلة لتشتيت الأنظار بعيداً عن الأزمات التي تطارد البيت الأبيض في عهده. وهناك مصطلح شهير في السياسة الأميركية يدعى Wag the Dog وترجمته لا تعني بالضرورة المعنى الحرفي المباشر "هز ذيل الكلب"، لأن هذا المصطلح في قاموس السياسة الأميركية يرمز إلى الإجراءات أو المواقف التي يتم اتخاذها بهدف تشتيت نظر المجتمع الأميركي وصرفه عن التركيز على فضائح أو إخفاقات داخلية تسبب إحراجاً للإدارة الحاكمة. وهذا الأسلوب يرتكز في العادة على خلق أجواء أو أحداث عالمية ساخنة تحظى بالانتباه العالمي وتسحب معها انتباه الداخل الأميركي، وهذا ما حصل بالضبط أثناء لجوء دونالد ترامب لتفعيل قانون أميركي مؤجل منذ عام 1995 يقضي باعتراف الولايات المتحدة الأميركية بالقدس عاصمة للدولة الإسرائيلية. دوافع ترامب لاتخاذ هذا القرار الاستفزازي لاشعال المنطقة وإلهاء المجتمع الدولي كثيرة، وأبرزها تدهور شعبيته لدى الجمهور الأميركي، نتيجة لتراكم أدلة تثبت عدم امتلاكه خبرة سياسية كافية للجلوس على كرسي قيادة أميركا، على العكس ممن سبقوه من رؤساء الولايات المتحدة. فترامب يعد الأكثر فشلاً وعجزاً عن الوفاء بوعوده الانتخابية، ومن أبرز تلك الوعود التي لم يتم تنفيذها إقامة جدار فاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك، على أن تتحمل المكسيك التكاليف المالية! كما فشل ترامب في إلغاء برنامج أوباما كير المتعلق بالتأمين الصحي ولم تقدم إدارته بديلاً ناجحاً عن برنامج أوباما. وعلى المستوى الخارجي كاد مجرد تلويح ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران أن يؤدي إلى عواقب مع شركائه الأوروبيين. أما العامل الأكبر الذي أدى إلى تدني شعبيته فهو انتهاء التحقيقات بشأن تواصله مع الروس أثناء حملته الانتخابية وتأكيد حدوث التواصل بالفعل. ولا ننسى كذلك الهجوم الإعلامي الأميركي الحاد ضد ترامب من قبل شرائح واسعة في عدة وسائل إعلام أميركية، فكان لابد له من اللجوء إلى خيار تشتيت الانتباه لتعزيز شعبيته أمام اللوبي الصهيوني والإعلام الأميركي الذي يتحكم بقطاع كبير منه اليهود. ولم يكن ترامب أول من استخدم هذا الأسلوب المعروف بسياسة "هز ذيل الكلب"، فتاريخ الرئاسة الأميركية يحفل بالعديد من الرؤساء الذين اتخذوا قرارات حمقاء وغير مبررة لإنقاذ أنفسهم وتشتيت انتباه الناخب الأميركي، وأغلب تلك القرارات كانت تتخذ دون دراسة العواقب الكارثية لها. ولعل أبرز مثال على خطورة مثل هذه القرارات الارتجالية وتبعاتها أن إيران كانت سعيدة جداً بقرار ترامب تجاه القدس، ولا تزال وسائل الإعلام الإيرانية وتلك التي تمولها طهران تستغل هذا الحدث إلى أبعد حد في إطار التهييج الإيراني المستمر لشعوب المنطقة تحت عناوين وشعارات إسلاموية ومذهبية. كما لا يخفى على أحد أن استباق الإدارة الأميركية للمفاوضات النهائية وقيامها بمحاولة تقديم القدس للإسرائييلين على طبق الاعتراف المجاني إنما يخدم جماعات الإرهاب ويعطل جهود مكافحة التطرف ويمنح الإرهابيين مبررات جديدة لاستقطاب اليائسين والمحبطين الذين يتلقون مثل هذه الاخبار بانكسار يدفعهم إلى البحث عن وسائل لتفريغ شحنات يأسهم وغضبهم! على الجانب الفلسطيني نفخ قرار ترامب الروح في جسد حركة "حماس" الإرهابية وعزز حضورها من جديد في الشارع الفلسطيني على حساب الصوت الفلسطيني الآخر الذي يقبل بالتفاوض للوصول إلى تسوية عادلة. وفي المقابل سوف يفتقد مشروع السلام المصداقية بقدر سقوط الوسيط الأميركي في التعصب والانحياز للرغبات الإسرائيلية التي لا حدود لأطماعها.

للقراءة من المصدر....

الكاتب: د.سالم حميد

المصدر: الاتحاد الاماراتية

2017-12-17



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US