أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

عالم اليوم.. وأمن الخليج

مع الأزمة الحادة التي شلت مجلس التعاون ودفعت شعب الخليج إلى التساؤل عن مصير خمس وثلاثين سنة من مسيرة إقليمية نالت الإجماع الداخلي والدعم العربي، والإعجاب العالمي، ومع الصلابة التي عطلت المساعي الحميدة من أجل العبور على هذه الخلافات لكي يستأنف المجلس دربه المرسوم، تفشى اليأس بين أبناء الشعب في إزالة الجفوة التي تكبر مع الزمن، فطبيعي أن تكثر التفسيرات عن احتمالات المستقبل بعد أن انتقل الخليج من خيمة التوافق متمثلة في مجلس التعاون إلى صراع الأمواج وتعاظم سياسة البوارج الحربية الإعلامية – Media Gun boat diplomacy، من مختلف الجبهات داخل دول مجلس التعاون. ومع تدخل الإعلام يزداد التأزيم ويتسع أكثر مع تسابق إقليمي ودولي للحصول على مكاسب يتم استخلاصها من خلاف الأشقاء، ونشهد الآن سباقاً بين الدول، بعضها حليف مستقر في تفاهم تاريخي مع الوضع الخليجي العام، والبعض الآخر مندفع لخطف فرصة تسهل له التواجد في أغلى بقع الاستراتيجيات الأمنية العالمية. كنت في ندوة بمدينة أبو ظبي التي زادت جمالاً مع حضور متحف اللوفر، عن سيناريوهات وحوارات هذا الأمن الخليجي، الذي تم وضع قواعده في الأمم المتحدة في السبعينات في أعقاب أزمة حظر النفط على أميركا وهولندا. خرجت مداولات الأمم المتحدة بإطار من التفاهم بين كبار المنتجين وكبار المستهلكين على بقاء الخليج هادئاً متميزاً بالاستقرار. بعد تجاوز آثار حرب 1973، جاء اتفاق الجنتلمان Gentleman Accord بين كبار المستهلكين وكبار المنتجين للنفط، بعد أن أدرك الطرفان أن النفط سلعة جيولوجية نادرة تخدم الإنسانية، يستأنس بعوائدها كل من المنتج والمستهلك، الفقير والحالم، المحروم والمزدهر، مع تطوع القادر من الأسرة العالمية على تحمل تكاليف صون أمنها ووقاية ممراتها، برياً وبحرياً. منذ ذلك التاريخ، حل الانسجام بين المنتجين والمستهلكين محل التباعد، والتفاهم مكان الشكوك، وارتاح الجميع، صار الخليج منبع الخيرات في عطاء مباشر، وفي تبرعات مجزية للصناديق والمؤسسات العالمية. هذه التركيبة الأمنية العالمية التي تتمتع بتوافق عالمي أظهرت فعاليتها، ولم يعد هناك مجال لاستحضار تشكيلة تتطفل على الظاهرة الأمنية الخليجية المستقرة. وتتميز هذه الظاهرة وتنفرد في فعاليتها لأنها في محتواها جامعة بين القوة الخشنة والقوى الناعمة، يحرسها أسطول جماعي مشكّل من دول تملك آليات الردع ودول أخرى تستند إلى منطق الحق والعدالة. هذا هو العنوان الحالي لأمن الخليج، فيه ثقل البوارج وفيه الانسياب السلمي التلقائي، رغم الصخب الإعلامي وتوتر خطب التهديدات. في تلك الندوة بأبوظبي أشرت شخصياً إلى التفاهم الذي تحقق من داخل مبنى الأمم المتحدة في عام 1974، بين كبار المنتجين وبين المجتمع الدولي، بعد أن وقف الجميع على أضرار المواجهة، كما أشرت إلى الدورة الاستثنائية للأمم المتحدة التي طلبها الرئيس الجزائري هواري أبو مدين بدعم من الدول النامية. ومن رحم تلك الدورة، حل التعاون الاقتصادي والأمني مكان الخصومات والمبارزات العقيمة في دبلوماسية النفط. وأكثر ما أسعدني في تلك الندوة في أبوظبي ما عرفته عن الخريطة الأمنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يلتقي فيها الناعم والجاف، مهرجانات الإبل ومسابقات الشعر، كلها تتواصل مع وصول أحدث الطائرات الحربية، وأمضى الدبابات، وسعدت لهذه الخلطة التي تناسبنا في الخليج، فمن يهن يسهل الهوان عليه، تلك الحكمة الخالدة تصف طباع البشر، فمهما كانت لطافة اللسان فلا يعرف أحد ما تخفيه تلك اللطافة. وبالطبع، شعوري الشخصي بالاطمئنان من وجود الخلطة الناعمة والخشنة نابع من تجربة عشناها في الكويت اعتماداً على القوة الناعمة، ولا نريد لأحد أن يتأثر بها أو يعشق سحرها، فالأمم لا تحيا بالموسيقى وحدها، ولا تحتمي بجزالة شعرائها، وإنما بجوقة مدافعها. نشاهد الآن انحسار أيديولوجيات، وهذا شأن مفيد، ولكننا أيضاً نتابع تلاشي أنظمة قائمة، وتدهوراً في عواصم سجل التاريخ ازدهارها، كما نتابع تآكلاً لمكانة الدولة الوطنية. المنظر الحالي لسوريا والعراق وليبيا واليمن يثير الأسى، هذه مواقع حضارات أعطت البشرية الكثير، ولكن اضطرابها السياسي والاجتماعي انفجر بعد أن تولى الجهلاء والصعاليك الحكم فيها. في هذا المناخ المضطرب، ورغم التصريحات الصادرة من إيران وتهديداتها، ورغم انتشار ظاهرة داعش، وصمت خلاياها النائمة، تبقى منطقة الخليج مستعصية على محاولات المخربين والمغامرين للعبث بأمنها وازدهارها، لأنها ترتكز على قواعد متينة يصونها توافق عالمي صلب، من هذه الحقائق يبقى الخليج سليماً في منطقة انتشر فيها وباء الانهيار.

للقراءة من المصدر....

الكاتب: عبدالله بشارة

المصدر: القبس الكويتية

2017-12-11



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US