أخر المقالات

مقالات


منصة مقالات لنشر مقالات الصحف العربية والخليجية


مصادر مختلفة ومتنوعة من صحف عربية بآراء متباينة

نهاية العصر الأميركي..؟!

بعد المواجهات الدبلوماسية والمنازلات السياسية بين روسيا وأميركا في عدد من الملفات والساحات، يكثر الحديث الآن في المنطقة عن «نهاية العصر الأميركي». تعني مقولة «نهاية العصر الأميركي» الرائجة الآن واحدة من نتائج ثلاث: إما انزياح الولايات المتحدة الأميركية من زعامة النظام الدولي الأحادي القطبية، وتولي قوة كبرى مكانها ليصبح نظاماً دولياً أحادي القطبية بزعامة دولة أخرى غير أميركا، أو صعود قوة دولية كبرى إلى مقام القوة العظمى الند، فنشهد بالتالي نظاماً دولياً ثنائي القطبية تقوده دولتان أو عدة دول، فيصبح نظاماً دولياً متعدد الأقطاب. وفي كل هذه الحالات يكون «العصر الأميركي» قد انتهى بالفعل، لكن ذلك لم يحدث بعد. ومن الإنصاف القول إن نظاماً دولياً ثنائي القطبية يتميز ــ منطقياً وهيكلياً ــ بميل أكبر إلى التوازن في العلاقات بين الدول، وانحسار الفوضى والاضطراب اللذين يميزان النظام الدولي الأحادي القطبية، وبالتالي فلا مشكلة جوهرية أصلاً في قيام نظام دولي ثنائي القطبية أو متعدد القطبية، بل ربما تكون نتيجة مفضلة لكثيرين حول العالم لاعتبارات مختلفة. فقدت الولايات المتحدة الأميركية بعضاً من أبعاد قوتها بمرور الوقت، ويتمظهر التراجع في القوة السياسية في صورة انقسام جمهوري ـــ ديموقراطي غير مسبوق على كل القضايا تقريباً، ومع ذلك يعد النموذج السياسي، الذي تقدمه أميركا ــ رغم كل مثالبه المعروفة ــ أكثر جاذبية حول العالم، مقارنة بالنموذجين الروسي والصيني. وتراجعت القوة الاقتصادية الأميركية نسبياً كنتيجة لتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي منذ عام 2007، لكن نصيب الناتج المحلي الإجمالي الأميركي من انتاج العالم هو الأول بفارق كبير عن أقرب المنافسين الصين. لا يجادل أحد في أن القوة المالية الأميركية تعاني وهناً متزايداً، بسبب عجز الموازنة الأميركية، وزيادة الديون إلى مستوى غير مسبوق تاريخياً، لكن واشنطن في المقابل ما زالت مسيطرة على المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ناهيك عن أن عملتها المحلية الدولار ــ وليس الروبل أو اليوان ــ هي عملة الاحتياطي الدولية، وبالتالي تستطيع إلى حد كبير تصريف أزمتها المالية كأزمة عالمية، وتحميل العالم عبء المشاركة في تبعاتها السلبية. ولا يخفى أيضاً أن القوة المؤسسية الأميركية قد تراجعت بشكل ملحوظ، إذ لا تستطيع واشنطن بعد الآن السيطرة على المؤسسات الدولية بالطريقة التي كانت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى سنوات قليلة مضت. في المقابل، يعد تجانس السكان والموقع الجغرافي والموارد الطبيعية في أميركا أمراً لافتاً، وتستطيع واشنطن دوماً تجديد حيوية سكانها ونوعية قدراتهم بسياسات الهجرة التي تستقطب أفضل العقول حول العالم في التخصصات المختلفة. كما أن القوة العسكرية الأميركية مازالت تمثل ركناً ركيناً في أبعاد القوة الأميركية، حيث يمثل الإنفاق العسكري الأميركي نصف الإنفاق العسكري للعالم بأكمله. ولا يوجد بحر مفتوح على الكرة الأرضية لا تمخر عبابه السفن الأميركية التجارية أو العسكرية. وتلعب التكنولوجيا المتقدمة ومستويات التعليم المرتفعة دورها في تثبيت القوة الأميركية، ويكفي مثال صغير على ذلك أنه لا توجد سفينة واحدة تبحر في المياه الدولية من دون أن تمر تحت العيون الأميركية، ولا تستطيع طائرة واحدة مدنية أو عسكرية تطير في الأجواء الدولية أن تفلت من رقابة الأقمار الصناعية الأميركية. ومازالت القوة الناعمة الأميركية تتقدم على ما سواها حول العالم، وأمثلتها تستعصي على الحصر، من نسبة أميركا في امتلاك الماركات المعروفة للسلع حول العالم، إلى المحتوى الرقمي باللغة الإنكليزية الأوسع انتشاراً، إلى معدلات الهجرة، إلى نسبة المواطنين الأميركيين الحائزين على جائزة نوبل، إلى نصيب الأفلام الأميركية من مجمل الإنتاج السينمائي العالمي، وغير ذلك من معايير القوة الناعمة. هناك بعد آخر للقوة الأميركية يتمثل في إمكانية حشد الحلفاء حول العالم، إذ تحظى أميركا بعدد حلفاء أكثر من أي دولة أخرى في العالم. البعد الإضافي للقوة الأميركية الشاملة يتمثل في القوة الاستراتيجية؛ بمعنى وجود خطة كوكبية لأميركا تشمل مناطق العالم المختلفة والفضاء، في حين لا تملك أي دولة في العالم خطة مماثلة. تراجعت أبعاد القدرة الأميركية الشاملة نسبياً بمرور الوقت، مما يجعل استمرارها قطباً وحيداً للنظام الدولي مرتهناً إلى حد كبير بعدم قدرة القوى الكبرى الأخرى على إزاحتها أو مقاسمتها وضعيتها الحالية. ولا يبدو بمعاينة المؤشرات المختلفة أن أياً من القوى الكبرى في وارد إزاحة أميركا المتراجعة عن قطبيتها الأحادية خلال السنوات القليلة المقبلة. باختصار، لم تعد أميركا القطب الدولي الأوحد الكامل الأوصاف، لكنها ما زالت حتى الآن الدولة رقم واحد في العالم. لا يجب عليك بالضرورة كمحلل سياسي أن تكون مؤيداً لأميركا وسياساتها في المنطقة، لكن محبتك للموضوعية ينبغي أن تتفوق في العادة على مشاعرك السلبية تجاه الآخرين!

للقراءة من المصدر....

الكاتب: د. مصطفى اللباد

المصدر: القبس الكويتية

2017-11-30



تعليقاتكم




LOGIN

REGISTER

CONTACT US